مقالات رأى

هوس الإكتناز بين الطب النفسي وعلماء الدين

 

كتبت : نسمة سليم
حفظ الأشياء القديمة واقتنائها وتكديسها على مر السنين من المظاهر المنتشرة في بيوتنا وقد تكون تلك الأشياء عديمة القيمة ولا تُستعمل على الأقل في الوقت الحالي أو أنها لا تُستعمل على الإطلاق بدليل تراكمها على مر السنين وزيادة حجمها لتصل إلى كل أنحاء المنزل، في المطبخ، فوق الدولاب، في أدراج المكتب، تحت السرير، في المخزن، وفي الأركان والبلكونات فنجد معلبات بلاستيكية وزجاجات فارغة بعد استهلاك محتوياتها، وأدوات كهربائية وغير كهربائية لا تعمل وقد تم شراء الحديث والجديد منها، وأوراق كتالوجات قد تهالكت أدواتها وفواتير تمتد لعشرات السنين، وكتب ومجلات عمرها سنوات فهل كل ذلك مجرد عادات اجتماعية متوارثة كما يدلنا مدي انتشار تلك السلوكيات وقبولها على مستوى الغالبية أم أنه يؤكد وجود اضطراب نفسي يستوجب العلاج؟ للإجابة على ذلك السؤال يتحتم علينا التطرق للعديد من النقاط التي تفرق بين العادة وبين المرض وما هو الدافع من وراء ذلك السلوك؟
وهل يتم بمحض إرادة الشخص أم أنه يفعل ذلك مُكرهاً من أفكاره التي تتسلط عليه أو هناك فوائد أم أن هناك أضرار منه؟
أو يستطيع الشخص التخلي عن ذلك السلوك ببساطة في الوقت المناسب، أم يجد صعوبة تمنعه من ذلك ، نوعية تلك الأغراض المخزونة وطريقة تخزينها وترتيبها.

وأوضح فضيلة الشيخ / حسن الجنايني واعظ وكبير باحثي الأزهر ، أنواع الإكتناز كثيرة منها إكتناز المال وإكتناز الأشياء بعض الناس يمسك بالأشياء التي لا فائدة منها ويمسك عليها من باب الإستحواذ وهذا يدخل في المرض النفسي وحب التملك في كل شئ وهذه صفة ذميمة أن يمسك بكل شئ ويحطاط به أمر غير طبيعي ويحتاج لعلاج نفسي أما الإمساك بالأشياء التي يرى أن لها فائدة وسيحتاج إليها يوما ما لبيعها أو التصرف فيها هذا ليس بكنز

وأشار الجنايني ، إلى الذي يكنز المال فعله ليس مرض نفسي أنما يؤخذ على سبيل حب الدنيا وبخل وشح إلى غير ذلك من الأمور التي نهى الشرع عنها والله تعالى قال ” والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم” فالأصل في المال أن ينفق في سبيل الله تعالى وليس له علاقة بأمراض نفسية أنما ممكن أن يكون مرض قلبي أنه أحب المال وحرص على جمع المال وكنز المال ولم ينفق في سبيل الله ولم يوسع على نفسه وأهله ، والذي يكنز المال خاصة إذا بلغ النصاب أى 85 جرام من الذهب وحال عليه الحول ولم يؤدي زكاة هذا المال فيكون له صفائح من النار يوم القيامة تكوى بها جبهته كما ذكر في الحديث الشريف فكنز الأموال عبر عنه بالذهب والفضة وبشرهم الله بالعذاب ، البشرى دائما تأتي بالخير وأنما هنا أتت من باب التوبيخ فبشرهم بعذاب أليم وجعلها الله سبب في عذابهم ” يوم القيامة يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لإنفسكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكنزون ”

وأكمل الجنايني ، الذي يخرج زكاة المال ليس بكانز حتى إذا بلغ عنده من المال ما بلغ ،
فهناك فرق بين الذي يكنز المال ولا ينفقها من باب البخل والشح
ولا يؤدي حق الله في هذا المال
فيسأل عنه يوم القيامة وعن الحديث الشريف ” كفى بالمرء إثم أن يضيع ما يعول ”

وتابع الجنايني ، البخل أقل وطئة من عدم دفع الزكاة لأن الزكاة فرض وعن سيدنا أبي بكر قال ( والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) لان الزكاة ركن من أركان الإسلام

وأوضح الدكتور جمال الفقي إستشاري الأمراض النفسية ، أن التخزيــن الطبيعي (العادات المتوارثة) ما يكون هناك هدف مقبول للتخزين، مثل احتمال أن نحتاج مثل تلك الأشياء مرة أخرى أو بيعها، أو إعطائها لمن يستطيع الاستفادة منها أو الإحساس بالخسارة (استخسار) أو الكسل وسوء التنظيم أو كل ذلك معاً ولذلك نجد محاولات تصنيفها وترتيبها والاعتناء بها.
كما أن الاحتفاظ بالأشياء التي تحمل ذكرى من شخص عزيز نفتقده والحفاظ علها وتنظيمها للاطلاع عليها كلما اشتقنا إليه قد لا يقع تحت طائلة المرض مالم تظهر علامات المبالغة في ذلك أو تكون وسيلة لاجترار الأحزان وتجديدها كما أن تتوفر الرغبة للتخلص من تلك الأشياء في حينها، وذلك يحدث بالفعل على فترات معينة تقلل من ذلك التكدس وتعطي المزيد من المساحة في المنزل أثناء حملة التنظيف والترتيب قبيل الأعياد مثلاً وقد اعتدنا على تسمية بعض تلك المقتنيات “روبابيكيا”، والحقيقية أن التخلص من تلك المقتنيات من خلال تاجر الروبابيكيا يعتبر من أنجح ما يمكن التعامل به مع تلك المقتنيات كما قد يكون التجميع والاحتفاظ بالأشياء فيه شيء من المتعة واللذة مثل اجترار بعض الذكريات أو الرغبة في الاحتفاظ بآثارها، أو ممارسة هواية مثل الاحتفاظ بطوابع البريد والعملات القديمة المتنوعة هوايات التجميع والاحتفاظ واضطراب التخزين يختلف عن عادة جمع أشياء محددة، مثل من يجمعون الطوابع أو صور نماذج السيارات، فهؤلاء يبحثون عن أشياء بعينها، يصنفونها ويعرضونها بعناية في مجموعات وعلى الرغم من أن المجموعات التذكارية يمكنها أن تكون كبيرة، إلا إنها لا تكون فوضوية ولا تسبب الفوضى التكدس اللذان هما جزء من اضطراب التخزين المرضي.

وأشار الدكتور الفقي ، يوجد ما يسمى باضـطـراب الاكـتنــاز
(التخزيـن والاكتناز المرضي)
وهنا نجد التخزين الزائد عن الحد للأشياء، مع وجود أعراض من التوتر والقلق والخوف لمجرد التفكير في التخلص من تلك المقتنيات أو التخلي عنها ووجود شعور بالحاجة الملحة للاحتفاظ بها دون أي سبب واضح. وذلك ما يُسمى “الاكتناز القهري”

وأردف الدكتور الفقي ، تدل كلمة قهري على وجود فكرة ما غير منطقية تفرض نفسها على العقل الباطن وتظهر علاماتها في صورة أفعال قهرية تفرض نفسها على السلوك دون منطق واضح، وتستمر بالرغم من اقتناع الشخص بعدم صحتها في كثير من الأحيان.
“الاكتناز القهري” وغالباً ما يظهر في سن المراهقة وما بعدها، وقد يبدأ في سن مبكر لدى بعض الأطفال بصورة مقبولة ثم تتطور لما هو أشد وأقوى، وفي الغالب يكون ذلك السلوك لدى الأطفال علامة لوجود أي مرض نفسي آخر مثل الاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري واضطرابات طيف التوحد ومن الملحوظ انتشار ذلك الاضطراب السلوكي أكثر لدى الرجال وهو عكس المتوقع على مستور المجتمع مقارنة بالعادات غير المرضية السابق ذكرها والمقصود بالقهر هنا هو أن يشعر المصاب بالضيق بمجرد التفكير في التخلص من الأشياء ويضطر بشكل لا شعوري للأحتفاظ بها، وهذا يؤدي إلى تراكم مفرط لأغراضه، بغض النظر عن القيمة الفعلية لها؛ وقد يشمل ذلك اقتناء الحيوانات الأليفة بشكل يثير العجب من حيث العدد والاهتمام الذي لا يقوم به تجاه البشر في الغالب.
وفي الغالب لا تستبصر المصاب بأن ذلك مرض فلا يسعى للعلاج حتى يصل لدرجة شديدة من الإعاقة وصعوبة العيش في مكانه وتكون النتيجة هي ظهور حالة من الفوضى والازدحام وعدم النظافة حيث يعيش ذلك الشخص المريض لدرجة قد تصل لاستحالة العيش في ذلك المكان، عدم النظافة وصعوبتها.

وتابع ، للتعرف على أعراض وعلامات المرض (التشخيص)
توجد بعض العلامات التي توجهنا للتشخيص المرضي كما يلي: الاقتناء الزائد عن الحد للأشياء التي لا حاجة إليها أو التي لا مساحة لها ولا قيمة لها لدرجة تراكم الفوضى إلى الحد الذي يجعل مكان المعيشة غير قابل للاستخدام الطبيعي تراكم أطعمة مخزنة بطريقة غبر صحية تسبب العدى والروائح الكريهة ، الشعور بالحاجة إلي حفظ هذه الأشياء، والانزعاج من مجرد فكرة التخلي عنها ، وجود مظاهر وسواسية مثل التردد والنزعة الكمالية والتجنب والتأجيل ومشاكل التخطيط والتنظيم ، الشجار مع الأشخاص الذين يحاولون التخلص من بعض تلك الأشياء.

وأكد الدكتور الفقي ، لا توجد أسباب مباشرة واضحة يمكن أن نعزي إليها تلك الحالات المرضية لكنها نظريات مختلفة مثل معظم الاضطرابات النفسية مثل الاضطرابات في كيمباء المخ والعوامل الوراثية والضغوط الحياتية المختلفة، لكن يوجد ما نسميه “العوامل المساعدة التي تزيد من احتمالية ظهور مثل تلك الأعراض مثل: تركيبة الشخصية ووجود اضطرابات نفسية أخرى ، يوجد ارتباط قوي بين إصابة أحد أفراد الأسرة باضطراب الاكتناز وبين احتمال المرض ، استمرار الضغوط والمشاكل الحياتية، والأحداث المؤلمة مثل الفقد والطلاق.

وأشار  ، إلي المضـاعفـات وتطور الحالة والتي تكمن أهميتها في التعامل الأمثل مع اضطرابات الاكتناز القهري والامتثال للعلاج النفسي في إمكانية تطور الأعراض لمستوى خطير من المضاعفات والمشاكل الشخصية والمجتمعية والأسرية.
و يمكن أن يسبب اضطراب الاكتناز مجموعة متنوعة من المضاعفات، بما في ذلك ، زيادة خطر السقوط والإصابات المنزلية والحرائق ، الخطورة على الصحة العامة للشخص المصاب نفسه وعلى الآخرين ممن يضطرون للحياة معه في تلك الظروف السيئة ، النزاعات العائلية الوحدة والعزلة الاجتماعية وضعف الأداء في العمل، والمسائلة القانونية وفقدان العمل.

وأضاف ، ويوجد بعض الاضطرابات النفسية الأخرى مثل القل والاكتئاب، ويحدث التفاعل السلبي بين تلك الحالات والحالة الأصلية، فيغذي كل منهما الآخر مما يزيد من المضاعفات ويصعب من العلاج ويقلل من احتمالية الشفاء.

وأكد  ، على أن أهم مشكلة تواجه العلاج هي أن العديدين من المصابين لا يدركون التأثير السلبي للتخزين على حياتهم أو لا يعتقدون أنهم بحاجة إلى العلاج ويعد ذلك صحيحًا بشكل خاص إذا كانت الممتلكات أو الحيوانات توفر قدراً من الراحة ولم تصل لمرحلة المضاعفات؛
كما أنه إذا تم إبعاد هذه الممتلكات أو الحيوانات فسوف يتفاعل الأشخاص في كثير من الأحيان بالإحباط والغضب وجمع المزيد بسرعة للمساعدة في تلبية الاحتياجات العاطفية. ولا شك أن العلاج الرئيسي لاضطراب التخزين هو العلاج السلوكي المعرفي، كما يمكن الاستعانة ببعض الأدوية للتخفيف من حدة الأعراض النفسية المصاحبة أو المتوقعة أثناء تعديل ذلك السلوك المرضي، خاصةً إذا كان المصاب يشتكي بالفعل من تلك الأعراض.

وأشارالدكتور الفقي ، للأطفال الذين يعانون اضطراب الاكتناز، من المهم أن يشترك الآباء في العلاج، فيما يُعرف باسم “التكيف الأسري”، قد يتكون لدى الآباء بمرور السنوات اعتقاد بأن السماح لأطفالهم بالحصول على عدد لا حصر له من الأغراض والاحتفاظ بها قد يساعد في خفض توتر هؤلاء الأطفال. لكن هذا في الواقع قد يكون له تأثير مضاد، حيث أنه يؤدي للمزيد من التوتر فيما بعد ويساهم في احتمالية الإصابة باضطراب الاكتناز نفسه.

وأوصى الدكتور جمال الفقي ، الآباء بإرشاد الأبناء لتعلّم كيفية الاستجابة لسلوكيات الأطفال غير المقبولة ومساعدتهم في التعامل معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock