تاريخنا حياتنا

مصر جميلة … حديقة الأزبكية

✒️فاروق شرف
هل تعرف ما وراء حديقة الأزبكية ولا يراها أحد أو يعرف عنها شيئآ إلا من رحم ربى .

أنها النافورة الأثرية المعمارية النحتية الرخامية.
أنشأ الخديوي إسماعيل هذه النافورة عام 1872، وقد تم تسجيلها كأثر عام 1986، ثم تم ترميمها عام 1993، كما تخبرنا لافتة رخامية معلقة عليها.

للأسف النافورة الآن في حالة سيئة وهي محاطة بسقالات من المعدن وحولها سور.
قديماً كانت توجد مقايسة لإنشاء حديقة الأزبكية وذلك كان عام 1869م، وهذه المقايسة كانت تدل على التطور العمرانى ،والتنسيق الحضارى والجمالى لمصر المحروسة فى منتصف القرن التاسع عشر .
ويبدو أنها كانت جزءا من ملف مرفوع الى ولى النعم فى ذلك الوقت وهو الخديو إسماعيل وهذه المقايسة مقدمة من” كوردييه بك ” وهو فيما أتصور أحد المقاولين الذين عملوا فى مصر فى تلك الفترة ، وكوردييه هذا هو المثال الفرنسى الذى عمل تمثال “ابراهيم باشا البرونزى” فوق قاعدته بميدان الاوبرا.

وهو كما تقول الوثيقة أنه تقدم بكشف تكاليف إنشاء حديقة الأزبكية وتضم تفاصيل إنشاء الحديقة واللوازم التى تحتاج اليها والأشغال المراد تركيبها وبجانب كل عمل تكلفته بالفرنك الفرنسى ، وهى إحدى العملات المستخدمة فى مصر فى ذلك الوقت حيث عرفت مصر عملات دول كثيرة لوجود عدد كبير من الأجانب بها .
وتم إحالة هذه المقايسة داخل وثيقة الى ديوان المالية تذكر أن :« أشغال جنينة الأزبكية تضم بخلاف غرس الأشجار والدرابزينات إقامة فسقية كبيرة بقطر ثلاثين متر فى وسط الجنينة بإستخدام 95 مترا كنارات من الجرانيت بتكلفة 198 ألفا و690 فرنكا بالإضافة الى تكملة الأشغال خارج درابزين الجنينة وعمل فسقيتين من الخرسانة بنافورات ماء وإنشاء فسقية أمام لوكاندة( كولومبو ) بتكلفة 15 الف فرنك بالإضافة الى ترميم المماشى ( الممرات ) وعمل حنفيات وتركيب ثلاث ماكينات بخارية لزوم رش الأزبكية ، ويوضح كوردييه بك فى المقايسة أنه تم إستخدام 1500 متر درابزين حديد وعمل 20 ألفا من أقواس الحديد الصغيرة وإنشاء ثمانية بيوت ( قراقولات ) باعتبار البيت الواحد 2500 فرنك وأربعة قناطر حديد وأربعة قناطر حجر نحت وخشب وقهوة وكشك لزوم ( الموزيقة ) أى الموسيقى بالإضافة لإستخدام ثلاثين نفر جناينية لزوم غرس الأشجار ، كما توضح الوثيقة أن إنشاء مغارة داخل الجنينة تكلف 6 آلاف فرنك بالإضافة لدفع 50 فرنكا لتصليح سكك الأزبكية لمدة 6 أشهر .

ويشير كوردييه بك أن الذى صار إستلامه حتى التاريخ الموضح بالوثيقة بخصوص أشغال حديقة الأزبكية هو مبلغ واحد مليون وأربعمائة وخمسون الف فرنك بالتمام والكمال .
أما منطقة الأزبكية التى تقع بها الحديقة فحكايتها تبدأ من أواخر القرن الرابع عشر إبان حكم دولة المماليك، عندما أهدى السلطان” قايتباي ” مكافأة لقائد جيوشه الأتابك “سيف الدين بن أزبك” قطعة أرض ناحية بركة بطن البقرة وأقام عليها منزلاً له و متنزهاً حول البركة يحمل اسمه «الأزبكية » ، وبحلول عام 1495 كانت الأزبكية قد تحولت إلى حي كبير يتوسط القاهرة ، وبعد دخول العثمانيين مصر شيد “رضوان كتخدا “في الأزبكية قصرا كبيرا على حافة البركة الشرقية وسماه «العتبة الزرقاء» ، ومن ميدان الأزبكية خرجت جماهير القاهرة عام 1805م تنادي بمبايعة “محمد علي” أميرا على مصر .

ولكن الخديو إسماعيل يعتبر هو المؤسس الحديث للأزبكية حيث عاد عام 1867م من زيارته لباريس مبهوراً بعمرانها الحديث وشوارعها وحدائقها فقرر تحويل الأزبكية الى حى حديث على شاكلة الأحياء الباريسية يضم حديقة رائعة فأصدر أوامره عام 1864م بردم البركة التي كانت تتوسط الميدان، وأنشأ في نفس مكانها عام 1872م حديقة الأزبكية على يد المهندس الفرنسي «باريل ديشان بك»، على مساحة 18 فدانا أحيطت بسور من البناء والحديد وفتحت بها أبواب من الجهات الأربع، وأقام في طرف الأزبكية مسرح ( الكوميدي الفرنسي ) ، وبعد الانتهاء من تشجير الحديقة بالأشجار والنباتات النادرة وتزيينها وإنارتها عين الخديو مسيو «باريليه» الفرنسي ناظرًا لها ، وكانت تقام بالحديقة العديد من الاحتفالات الرسمية والشعبية الكبري للأجانب والمصريين ، لتكون هذه الحديقة لائقة بمصر التى كانت درة الشرق وساحرة العالم القديم .

الجدير بالذكر أن منطقة الأزبكية كانت تضم عدداً كبيراً من الفنادق الفاخرة فى ذلك الوقت منها «شبرد» و»الكونتيننتال» «وندسور وإيدن بالاس» بالإضافة الى الأوبرا الخديوية .
يعتبر الخديوي” إسماعيل” المؤسس الحديث للأزبكية وذلك عندما عاد سنة 1867م من زيارته لمعرض باريس، فبهره العمران الحديث في باريس، فأقدم علي الأزبكية لتكون علي شاكلتها، وأعاد تخطيط ميدان الأزبكية.
وقد أطلق اسم قصر”العتبة الزرقاء” الذي بناه “رضوان كتخدا” على نصف الميدان، وسمي النصف الآخر باسم ميدان “أزبك”، ولكن هذا القصر لم يبق على حاله، ففي عهد الخديوي “عباس الأول”، تم هدم القصر وأعيد بناؤه مرة أخرى باسم “العتبة الخضراء” تبركا باللون الأخضر لمدخله، حيث أن الخديوي كان يتشاءم من اللون الأزرق.

أعود إلى النافورة الأثرية الرخامية الغاية فى الإبداع من الدقة فى النحت المجسم لزخارفها فقد شرفت بزيارتها أكثر من مرة ووضعت فى ذهنى طريقة إحيائها وعرضها للناس لحق المعرفة وتأكيداً عى حضارتنا ، ومن هنا أهدى هذه الكلمات عن هذه النافورة إلى صديقى الخلوق معالى الوزير اللواء “محمد بيك سلطان “رئيس مجلس إدارة الحدائق المتخصصة بالقاهرة وأقول له أن حديقة الأزبكية بمفرداتها الأثرية والتاريخية لن تقل أهمية عن حديقة الأندلس أو الحرية أو حتى الحديقة الدولية الجميلة بتنسيقها وندرة أزهارها.
مع تحياتى : فاروق شرف.

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock