محافظات

كيفية التعامل مشكلة بؤر التلوث الصناعي.

كتب المهندس حسام محرم

 

تعد مشكلة بؤر التلوث الصناعي الكائنة في كتل عمرانية متعددة من المشكلات البيئية المعقدة. ومن المعايير البيئية ذات الصلة بهذا الملف هو معيار الحد الأقصي لمجموع أحمال التلوث التراكمية التي يمكن لأي منطقة ان يستوعبها. وتوجد في مصر مناطق وصلت فيها أحمال التلوث إلي مستويات عالية تهدد البيئة والصحة العامة، ومن بينها “حلوان وشبرا الخيمة” ومناطق أخري متفرقة في نطاق القاهرة الكبري وفي محافظات أخري.

ومن أجل التعامل مع ذلك الملف، ينبغي العمل علي المحور الوقائي لتجنب هذه المشكلة مستقبلاُ، والمحور العلاجي لتدارك المشكلة في المناطق التي وصلت بالفعل إلي الحدود القصوي لأحمال التلوث.
فعلي المستوي الوقائي، ينبغي إدماج البعد البيئي في التخطيط العمراني علي مستوي القطر المصري لتجنب بروز أي مشكلات بيئية مستقبلية ناجمة عن سوء التخطيط العمراني الذي يؤدي إلي إرتفاع كثافة الأنشطة المسببة للتلوث ومنها المصانع الكبري.
وعلي المستوي العلاجي، فإنه ينبغي إتباع مجموعة خطوات لتحديد بؤر التلوث بمعيار أحمال التلوث، ثم تحديد خطة مستقلة لخفض أحمال وتركيزات التلوث في كل بؤرة طبقاُ لخصوصية كل حالة علي حدة. ويتم تحديد بؤر التلوث من خلال برامج محكمة للرصد البيئي مع تطوير البرامج الحالية بحيث تشمل أحمال التلوث وليس فقط تركيزات الملوثات. ومن ثم لابد أن تشمل برامج الرصد البيئي جرد للملوثات في كافة المناطق العمرانية بكافة انواعها، ثم مقارنة النتائج بالحدود القصوي لأحمال التلوث التراكمية المسموح بها. وينبغي تعظيم إستخدام “الأقمار الصناعية والإستشعار عن بعد” في عمليات رصد نوعية البيئة “هواء وماء وتربة” ورصد التلوث من المنشآت الصناعية، وكذلك إستخدام الأقمار الصناعية في كافة المجالات البيئية بوجه عام، حيث يؤدي ذلك إلي توفير معلومات بيئية شبه متكاملة مع خفض الجهد والوقت والمال في كثير من الحالات، وهي آلية غير مستغلة حالياُ.
وينبغي العمل علي خفض مسببات ظاهرة بؤر التلوث الصناعي من جذورها من خلال محاور متعددة، حيث يعد الحل الجذري هو خفض أحمال التلوث في المناطق المتأثرة وبالأخص العاصمة التي تحتاج إلي مشروع قومي لإعادة هندسة القاهرة الكبري لتحسين جودة الحياة من خلال مخطط عمراني أفضل، لخفض الكثافة السكانية ومن ثم خفض معدلات التلوث عامة في المدينة.
وقد تقتضي الإعتبارات البيئية نقل بعض المصانع ذات أحمال التلوث العالية الكائنة في مناطق تجاوزت الحدود القصوي للأحمال التراكمية أو الكائنة وسط او بجوار أو بالقرب من كتل عمرانية أو مناطق حساسة بيئياُ أو الكائنة في مناطق تفتقر إلي بنية اساسية كفيلة بإستقبال الملوثات الصادرة عنها والتحكم فيها وبالتالي في آثارها البيئية السلبية. وهنا ينبغي أن نتبه إلي ضرورة طرح آليات لتجاوز مقاومة المصانع لمخططات نقلها من خلال قانون أوتشريع متكامل ينظم بأسلوب علمي عملية النقل ويتضمن مجموعة من الحوافز الإيجابية (مثل الحوافز الضريبية والجمركية وغيرها) وكذلك الحوافز السلبية وفي مقدمتها فرض تعويضات بيئية علي الشركات طوال مدة بقائها في المناطق الملوثة المراد إلزامها بإبعادها عنها، حيث أن تلك التعويضات كفيلة بدفع تلك المصانع والمنشآت إلي المسارعة بالنقل لتجنب التعويضات البيئية الباهظة التي تعد من أهم أدوات التحكم في السلوك البيئي للمنشآت. ويلزم إختيار المناطق الجديدة وفقاُ لدراسة بيئية وإقتصادية دقيقة لمنع ترحيل المشكلة من مكان لآخر، مع مراعاة مصالح ووجهات نظر المصانع والمنشآت المستهدفة وكذلك كافة الأطراف المعنية.
وبالنسبة للمنشأت التي يتبين أنه لا توجد حاجة لنقلها، فإنه ينبغي تحسين أدائها البيئي، بما يؤدي إلي خفض أحمال ملوثات الهواء الصادرة عنها بتشديد الرقابة البيئية بأنواعها وأساليبها المختلفة خاصة في مجال الرصد اللحظي كما هو مطبق حالياُ مع مصانع الأسمنت والأسمدة ويجري تعميمه علي المنشآت ذات أحمال التلوث الغازية العالية مثل منشآت توليد الطاقة، مع توظيف نتائج تلك الرقابة في الضغط علي المنشآت لتوفيق أوضاعها البيئية من خلال جعل تكلفة الغرامات والتعويضات أعلي من تكلفة توفيق الأوضاع البيئية حتي يكون ذلك كما أسلفنا بمثابة حافز سلبي لها لتبني حلول بيئية تخفض أحمال التلوث الناتجة عنها، مع إعادة ترتيب أولويات الدعم الموجه ألي مشروعات توفيق الأوضاع البيئية والتحكم في التلوث الصناعي ليتجه التمويل إلي المنشآت الأكثر تلويثاُ للبيئة بمعيار أحمال التلوث وليس بمعيار تركيزات التلوث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock