تاريخنا حياتنا

عيد الأم فى مصر القديمه

بقلم / فاروق شرف

Mother’s Day in ancient Egypt
عرف المصريون القدماء تكريم الأم قبل آلاف السنين، كرموها وقدسوها واحتفلوا بها، فالحضارة المصرية القديمة هى أول من نسجت خيوط هذا التكريم منذ الآف السنين كعيد مقدس للأم ابتداء من الدولة القديمة استمرارا حتى أواخر عهد البطالمة، لذلك اختار المصريون القدماء العدد الأكبر من آلهتهم من الأمهات بعد أن اتخذوا من إيزيس رمزا للأمومة.

وقد جاءت نقوش المعابد المصرية، لتُظهر لنا مدى تقديس المصري القديم للأم، كما عثر الأثريون على العديد من البرديات التي تُبرز تلك المكانة، لدرجة أنهم خصصوا له يومٍ للإحتفال به، بل ورفعوها إلى مصاف الآلهة، كالآلهة “حتحور” ربة الحب والأمومة، والآلهة “إيزيس” ربة الأمومة الأكثر شهرة، فهي التي حاربت طويلا من أجل استعادة جسمان زوجها “أوزوريس” وحق أبنها “حوريس”، وقد أقيم لها العديد من التماثيل التي تصورها وهي تحتضن طفلها وترضعه، والآلهة “تاورت” ربة الحمل والولادة والخصوبة، أما المعبود “بس” فكان رمزا يبعد الشر عن الأم وطفلها الرضيع

من أهم القيم الإنسانية فى الحضارة المصرية القديمة الاعتراف بأهمية دور الأم وتقديرها، فكانت للأم مكانة عالية ومنزلة رفيعة باعتبارها منبع الحياة ورمز الحنان والتضحية من أجل أسرتها وأولادها الأمر الذى جعل لها ذلك الدور المؤثر فى تكوين المجتمع المصرى القديم عبر تاريخه الطويل.

وآثار مصر القديمة هى خير دليل على تقديس الأم، فتماثيل المعابد ونقوشها الرائعة تبرز هذه المكانة المتميزة للأم التى تحظى بالاحترام والتبجيل. وجاءت نقوش كل مقابر الملوك والوزراء وحتى العمال والأفراد تحتوى على صورهم مع أمهاتهم وزوجاتهم، وكانت الصور تدل على التقدير الذى قدمه المصرى القديم لأمه.

وقد ورد ذكر عيد الأم والنص عليه فى أكثر من بردية من برديات كتب الموتى، ذلك الشواهد الأثرية الفرعونية أدب الحكمة والخطابات الموجهة إلى الموتى ومنها احترام الأمهات وتبجيل الأم فى الأسرة الكبيرة والاهتمام باحتياجات النساء لكون جميع الحضارات قامت على جناح الأم حتى إن بعض حكماء المصريين قالوا إن دعاء الأبناء لا يصل إلى آذان السماء إلا إذا خرج من فم الأمهات.
وكان جميعهم يوجهون أولادهم بأن يحترموا أمهاتهم، ومن ضمن الحكم أثناء زواج الابن أن يعامل زوجته كما يعامل أمه.

ومن أجمل هذه الأمثلة والتى عبرت عن تقدير المصريين القدماء للأم ودورها فى الحياة ما جاء فى بردية «آنى» على لسان الحكيم المصرى القديم «آنى» ينصح ابنه بقوله «أطع أمك واحترمها، فإن الإله هو الذى أعطاها لك، لقد حملتك فى بطنها حملا ثقيلا ناءت بعبئه وحدها، دون مساعدة وعندما ولدت قامت على خدمتك أم رقيقة لك، ثم أرضعتك ثلاث سنوات، وأرسلتك إلى المدرسة كى تتعلم الكتابة، وفى كل يوم كانت تنتظرك بالخبز والجعة فى بيتها، فإن أنت شببت وتزوجت واستقررت فى دارك. فتذكر أمك التى ولدتك.. لا تدعها تلومك وترفع كفها إلى الإله فيسمع شكواها».

كما عثر على بردية للدولة القديمة يحتفل من خلالها بالأم، وجاء فى البردية «اليوم عيدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك، وتبارك يوم عيدك، واستيقظت طيور الحديقة مبكرة، لتغرد لك فى عيدك وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك، اليوم عيدك يا أماه فلا تنسى أن تدعو لى فى صلاتك للرب».

اختار المصريون القدماء للاحتفال بعيد الأم آخر شهور فيضان النيل عندما تكون الأرض الخصبة معدّة لبذر البذور- أو بذور الحياة التى تبعث الحياة فى الأرض- لذلك شبهوا الأم بنهر النيل الذى يهب الحياة والخصب والخير.

وتعتبر الإلهة «نوت» ربة السماء من أشهر الإلهات المقدسات عند المصريين القدماء وهى الآله التى تظلل الكون وترعاه، والتى خلدوها فى آثار معابدهم وفى متون الخلق والتكوين وفى الأساطير والبرديات المقدسة.

عندما كانت النساء فى مصر القديمة يترقبن حدوث الحمل وينتظرنه بلهفة شديدة إشباعا لعاطفة الأمومة الطبيعية لديهن، كن يتقربن إلى العديد من الآلهة والإلهات المسئولة عن حماية الأم وطفلها أثناء فترة الحمل والولادة، ومنهم «الإلهه حتحور» ربة الحب والأمومة وهى الأم الأولى للآلهة بصفتها «البقرة السماوية» التى ولدتهم وأرضعتهم جميعاً، أما «الإلهه إيزيس» ربة الحماية والأمومة والرضاع فهى أكثر الإلهات شهرة فى التاريخ الفرعونى، بل إنها أحياناً ترمز إلى «مصر» نفسها، وهى قرينة أوزوريس الذى صاحبته وساندته وقامت بعده بنشر عقيدته، وقد جسدها الأدب الدينى فى دورها البارز وسعيها كى تنتصر لحق ابنها حورس بعد وفاة زوجها «أوزيريس». لذلك اتخذ المصريون القدماء من إيزيس رمزا للأمومة.

وكانت إيزيس كثيرا ما تمثل وهى ترضع وليدها حورس، فصارت رمزا للأمومة والحماية من الشر أو السحر ووضعوا تمثالها فى غرفة الأم ويحيطونه بالزهور والقرابين، ويضعون حوله الهدايا المقدسة للأم فى عيدها الذى يبدأ بالاحتفال به مع شروق الشمس التى يعتبرون نورها وأشعتها رسالة من إله السماء للمشاركة فى تهنئتها، كذلك المعبودة «تاورت» ربة الحمل والولادة، والمعبود «بس» رب البهجة والمرح، الذى يبعد الشر عن الأم وطفلها.

وقد كشفت البرديات التي عثر عليها الأثريون أن المصريون القدماء كانوا يحتفلون بذلك اليوم، فتطوف المواكب المزينة بالزهور حول المدن، وأطلقوا علي هذا اليوم الكثير من الأسماء، كعيد الأم المقدس، وعيد أم الوجود، وعيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة، تلك الأم التي اعتادت أن تضحي براحتها لرعاية صغارها، وتبذل جهدها في نحت وتكوين شخصيتهم بطريقة تجعلهم أعضاء صالحين لبناء المجتمع، إنها نهر العطاء المتدفق الذي لا يجف ولا يشكو ولا ينتظر مقابل لما يفعله.

وتعد بردية “آني” من أكثر البرديات التي أظهرت احترام الزوج لزوجته، فبها ينصح ذلك الحكيم أبنه بطاعة أمه واحترامها، لأن الرب هو الذي أعطاها له، وهو الذي دفعها لتكون رقيقة وحنونة ومضحية براحتها دون انتظار مقابل، فقد تحملت حمله تسعة أشهر، وأرضعته وطببته وعلمته حتى استقر بمنزله الجديد مع زوجته، كما أن اختيار موعد عيد الأم منذ العصور الفرعونية كان توقيتا عظيما، ففي ذلك الوقت من شهر مارس تكون الأرض الخصبة مجهزة تماما لنثر البذور، فتنبت وتبعث الحياة من جديد، هنا شبهوا الأم بنهر النيل الذي يهب الحياة والخير.

نقل وإعداد للإستفادة وحق المعرفة بفضل الأم ف التاريخ القديم . اللهم ارحم امهاتنا جميعآ واجعل قبورهن روضة من رياض الجنة. فاروق شرف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock