تاريخنا حياتنا

عظيمه يا مصر … بيت الكريتليه الآثرى

بقلم / فاروق شرف

بيت”الكريتلية الأثري) متحف جاير أندرسون.)
يعد متحف جاير أندرسون أو كما يطلق عليه شعبيا بيت” الكريتلية” من أهم المتاحف أو البيوت الإسلامية التى بنيت فى العصر المملوكي فى حي السيدة زينب بوسط القاهرة، حيث يتمتع بتاريخ عريق يمتد لنحو 5 قرون، وطراز معماري إسلامي نادر الوجود، بالإضافة إلى مجموعة من التحف الإسلامية المميزة.

تم تصوير عدد من اﻷفلام فيه، فظهر في أفلام سعد اليتيم، والحرافيش، وشهد الملكة، ومسلسل الإمام الغزالي. وفيلم الناظر لعلاء ولي الدين مشهد التتار
كما استضاف الأغنية الشهيرة “بانوا.. بانوا” لسعاد حسني فيلم شفيقة ومتولي والتي صورت في قاعة الاحتفالات بالبيت، وهي القاعة نفسها التي صور فيها فيلم ألمظ وعبده الحامولي.

وتم تصوير مشاهد من سلسلة الأفلام العالمية الشهيرة “جيمس بوند، به وخاصة فى إحدى قاعاته الشرقية، عام 1977، كما شهد تصوير أفلام، عديدة للأديب نجيب محفوظ، ومنها بين القصرين والسكرية.

يتكون المتحف من بيتين، البيت الأول ويعرف باسم بيت” آمنة بنت سالم”، وقد أنشأه المعلم “عبد القادر الحداد” عام ” 1540 م – 947 هجريا”، والبيت الثاني بناه أحد الأعيان وهو “محمد بن الحاج سالك بن جلمام” عام 1631م، وعرف ب بيت “الكريتلية” نسبه لسيدة كريتية من “جزيرة كريت ” وهى آخر من سكنته، وتم توصيل البيتين عن طريق قنطرة ربطت بين البيتين وأطلق عليهما بيت الكريتلية.

أما تسميته بـ “متحف جاير اندرسون” فيرجع إلى الضابط الإنجليزي جاير أندرسون الذي ولد فى بريطانيا عام 1881م، وجاء إلى مصر عام 1908، وعمل طبيبا بالجيش الإنجليزي حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1924، وقد عرف عنه حبه للآثار، وولعه الشديد بمصر وتاريخها وخاصة التاريخ الإسلامي، حتى قال في مذكراتة المحفوظة بمتحف فيكتوريا والبرت بلندن “مصر أحب الأراضي إلى قلبي، لذلك لم أفارقها لأني قضيت بها أسعد أيامي منذ مولدي ” .

في عام 1935 قام الضابط المتقاعد بتقديم طلب إلى “لجنة حفظ الآثار العربية” أن يسكن فى البيتين مقابل أن يقوم بإعادة تأسيسهما مرة أخرى على الطراز الإسلامي، وقد تعهد بأن يؤول البيت وما به من أثاث إلى الشعب المصري فى حالة رحيله أو موته .
وبالفعل وافقت اللجنة العربية على طلب اندرسون الذى سارع بشراء الأثاث والتحف الإسلامية من الأسواق والبيوت الأثرية، وقام بجلب بعض التحف والقطع الأثرية النادرة من الصين وإيران والقوقاز ومن آسيا الصغرى والشرق الأقصى، بالإضافة إلى أوروبا، وعاش فيه حتى توفي عام 1945 تاركا مجموعة ضخمة من التحف الفنية الإسلامية للشعب المصري، وقد منحه الملك فاروق عام 1943 لقب باشا تقديرا لدوره.

ينفرد بيت الكريتلية أو متحف أندرسون بخصوصية معمارية ليس لكونه يمثل الحقبة العثمانية فقط بل لوجود سمات نادرة الوجود فى العمارة الإسلامية فى ذلك الوقت منها وجود” سبيل” لسقاية الناس داخل البيت وليس بداخل مسجد أو جامع أو بناية إسلامية كما هو المعتاد فى العمارة الإسلامية، حيث كان خادم السبيل وكان يسمي “المزملاتي ” بتقديم الماء للمارة من خلال البئر الموجود فى وسط السبيل، وهناك أساطير تدور حول البئر تقول إنه مسحور بحيث إن الشخص الذي ينظر في مياهه يجد وجه الشخص الذي يحبه، وقد ظل السبيل فى تقديم المياه حتى أثناء إقامة اندرسون بالبيت ولم تتوقف حتى وفاته.

ويحيط ببيت الكريتلية العديد من اﻷساطير الغريبة منها أنه بني على “جبل شكر” الذي رست عليه سفينة نوح عليه السلام، وما يميز عمارة البيت هو تصميم مدخله على هيئة ” المدخل المنكسر” وهى تعنى وجود مساحة تلي المدخل مباشرة ثم دهليز يفضي إلى صحن البيت، وهو نمط منتشر فى العمارة العثمانية للحفاظ على حرمة البيت وعدم كشفه على الضيوف و المارة.

أما عن صحن البيت فهو فناء واسع تقع فى منتصفه تماما “فسقية”، وقد تم تصميم الفناء بطريقة تحفظ حرمانية اهل البيت فكل الطوابق والقاعات بالبيت تفتح على الصحن وليس إلى الخارج، وبالصحن قدور فخار بينها أصص لنبات الزينة والأشجار الصغيرة.

المتحف يتكون من 29 قاعة وتعد كل منها لوحة فنية خاصة لما تتميز به من تصميم معماري إسلامي، وكعادة البيوت الإسلامية فى العصر العثماني ينقسم البيت إلى قاعة “السلاملك” وهى الخاصة بالرجال، وتنقسم إلى 3 أجزاء منها إيوانان موزعان على جانبي القاعة، ويحصران بينهما دركاة فى الوسط، وهذه القاعة مفروشة بالوسائد، والطقاطيق الخشبية الصغيرة المزخرفة بالعاج والصدف والأشكال الإسلامية، وجدرانها مزينة بالأشكال الفنية السداسية، وفى القاعة مجموعة من التحف بالإضافة إلى مجموعة من الصناديق الخشبية المطعمة بالعاج.

أما “الحرملك” وهى قاعة مخصصة للنساء تطل على الفناء من خلال شبابيك أو مشربيات، وهى مفروشة بوسائد جميلة عليها تصاوير بالأسلوب الفارسى تصور مشاهد برية، وتحتوي القاعة على مجموعة من المقاعد الخشبية المطعمة بالعاج والمصفحة بالزجاج المفضض والملون.
وفي البيت غرفة صغيرة مخصصة للكتابة والقراءة، وأيضاً غرفة أخرى تحتوي على أثاث فارسي، وقد خصصها أندرسون لتكون غرفة للنوم وتسمي الغرفة “الفارسية”، وهناك الغرفة “التركية” التي تحتوي على صالون تركي، ومعلق بالغرفة صورة زيتية لمحمد علي مؤرخة “1806م، و لوحة زيتية أيضاً للخديوي سعيد الذي حكم مصر من 1854 – 1867م، وهناك الغرفة “الدمشقية” وهي عبارة عن غرفة مزخرفة بالكامل بزخارف نباتية وورود.

وهناك رواق التصاوير
والرسومات الذى يحتوي على مجموعة نادرة من اللوحات المرسومة بالطراز الإسلامي، بعضها يصور كتاب” الشاهنامة”، والآخر مجموعة من تصاوير الصيد والاحتفالات والمناظر الطبيعية.
بالإضافة إلى أن البيت الثاني وهو بيت” آمنة بنت سالم” و يحتوي على قاعة لاستقبال الأميرات والهوانم، وبجوارها يقع رواق المغاني وهو رواق صغير تقام فيه الاحتفالات والغناء طولها 15 متراً، وغرفة للولادة تحتوي على مقاعد لمساعدة السيدات فى الولاده ، ويوجد في هذه الغرفة كل الأدوات الطبية التي كان يستخدمها في ذلك الوقت وفي غرفة الولادة أيضا.

احتفظ أندرسون بالعديد من لعب الأطفال والتي كان يهديها إلى السيدات بعد إتمام عمليات ولادتهن بنجاح كهدية للمولود الجديد ولم يغفل جاير أندرسون إنشاء إستراحة خاصة بالخدم الذين كانوا يقومون بخدمة سكان البيت ويتولون نظافته ويعدون الطعام والشراب لأصحاب البيت وضيوفهم .

وأخيرا يشمل المنزل أيضا حديقة غناء قام أندرسون بتنسيقها وزراعة أشجارها وزهورها وورودها بنفسه ،
وقد أعيد ترميم البيت سنة 2000م بتمويل من مؤسسة أغا خان للعمارة الإسلامية وفى عام 2008م أقيمت مدرسة الطفل بحديقة المتحف والتى كان يقام بها ورش فنية لأطفال المنطقة للرسم والنحت والإرشاد السياحى وقد لاقت هذه المدرسة إقبالا كبيرا من أهالي المنطقة إلا أن نشاطها قد توقف للأسف الشديد عام 2011م وقد إشتهر بيت الكريتلية ببعض الروايات والأساطير والخرافات منها إنه كان مرسى لسفينة النبي نوح عليه السلام بعد عصر الطوفان ومنبع هذه الأسطورة موقع البيتين حيث شيدا على جبل يعرف بإسم جبل يشكر بن جديلة وهي قبيلة عربية أقامت معسكرها على هذا الجبل عند الفتح الإسلامي لمصر وحيث أن سفينة سيدنا نوح قد رست علي جبل يسمي في بعض المراجع جبل يشكر لذلك خلط العامة بين إسم الجبل الذى رست عليه السفينة وبين إسم القبيلة المذكورة وهناك من إدعى أن كل من ينظر إلى مياه البئر الموجودة وسط البيتين وتمنى أن يرى من يحبه سيظهر له وجه محبوبه فوق الماء حيث أن بيت عبد القادر الحداد تم بناؤه حول بئر يمكن رؤيته من صحن البيت كما قيل عن البئر إن بمياهه ملكات سحرية تجلب الخير.

كما أن البئر ذاته يؤدى إلي مدخل قصر سلطان الوطاويط والجن الذى يوجد في باطن الأرض والذى يحوى الكثير من الكنوز التي يحرسها بسحره وأن لهذا السلطان سبع بنات نائمات تحت تأثير السحر على أسرة من الذهب الخالص وفى مقابل ذلك يدفع الذهب لأهل بيت الكريتلية حتى لا يتعرض لبناته أحد أو يلحق بهن الأذى ومن المعتقدات
والخرافات أيضا أنه يقع على الواجهة الخارجية للبيت المطلة علي شارع طولون ضريح ولي من أولياء الله يدعي الشيخ هارون بن الحسين والذي إشتهر ببركاته وكراماته وبجلبه الحماية والرخاء للبيت وأهله ومنع هدمه بل وحمايته من الحريق حيث ربما يضعف بنيانه ويتهدد بالسقوط والإنهيار وأن يتعرض أهله للفاقة والفقر المدقع ولكن ببركات وكرامات سيدى هارون الولى الحامى للبيت يمتنع حدوث أى شيء من هذا فمهمته حراسة البيت وحمايته ولن يقبل أن يترك البيت أو أهله أبد الدهر للضياع أو يجعله فريسة لمن يريد أن يمسه بسوء.

نقل من أكثر من مصدر ثم إعداد لحق المعرفة على عظمة مصر الإسلامية ..ونرحب بالنقض والتصحيح والإضافة بل والإصطحاب للزيارة للمعرفة بآثارنا العظيمة.
مع تحيات : فاروق شرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock