مقالات رأى

سبعة وسبعون عاما علي زراعة الورد

بقلم د – شيرين العدوي

كان المسرح مزدحما بينما يصطف على الجانبين وفد من المهندسين الروس يقابله وفد من المهندسين المصريين. وسط الزحام لم يكن من الممكن أن يتعرف شخص على الآخر. فجأة صعد شخصان على المسرح أحدهما روسي والآخر مصري وفوجئ الجميع بصراخ كليهما، وعناق حار طويل أجرى الدموع من العيون”. إنه مشهد حكاه ا/شريف جاد مدير النشاط الثقافي بالمركز الروسي أثناء تقديمه العام الماضي لأحد الاحتفالين اللذين يقامان كل عام لإحياء ذكرى بناء السد العالي وقد كانت فيه روسيا ظهير مصر الاقتصادي. لقد كان الاتحاد السوفيتي سابقا مؤمنا بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها . وكانت مصر لحظة بناء السد تواجه تحديا كبيرا مع الدول الكبرى التى تراجعت عن موقفها في تمويل السد. يذكرني هذا بحكاية أخرى ذكرها ا/ شريف جاد وهي: أثناء تفقد الرئيس الروسي “خرشوف” للسد في مراحله الأخيرة تجمع حوله بعض المهندسين المصريين، وكانوا يواجهون مشكلة نقص قطع غيار التوربينات الروسية فخرج أحدهم عن البروتوكول وأخبر المترجم بهذه المشكلة ليطلع الرئيس عليها. وحين همّ الرئيس بالرد انحنى مستشاره عليه مخبرا إياه بأن قطع الغيار المطلوبة هي الجزء الذي يستورده المصريون من أوروبا الغربية بالعملة الصعبة؛ فما كان من الرئيس الروسي إلا أن قال: سنشتري من الغرب أزيد من احتياجاتنا لنوفره للمصريين. هذا التحدي كان السبب في عناق المهندسيْن على المسرح؛ فقد عاشا بقلوبهما وأعصابهما كل مراحل هذا العمل العظيم حتى اكتمل وأضحى حقيقة ، وشاهدا لحظة الانتصار الكبرى التي ربما لا تشعر بها الأجيال الجديدة الآن. لقد زرعا معا الورد و حصداه في لحظة مؤثرةعلى خشبة المسرح حين تراءى لهما بعض ما حققه هذا العمل العظيم من نهضة كبري :صناعية وكهربية .
ولم تكف روسيا عن زراعة شجر الورد منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية في (26 أغسطس عام 1943م )؛ فقد أزهر وتفتح وأسفر عن بناء 100 مشروع تعد من أهم أساسيات البنية التحتية للاقتصاد المصري؛ ومن أهمهما مشروع الضبعة لإنتاج الطاقة النووية السلمية، وكذلك المنطقة الصناعية الروسية في القناة. وبهذه المناسبة نهنئ أنفسنا قبل الجانب الروسي علي هذه الصداقة التي مضى على إقامتها 77 عاما متمنين لمعالي السفير الروسي الجديد “جيورجي بوريسينكو” زراعة مزيد من الأشجار العالية التي تقف في وجه رياح الظلم العاتية. هذه العلاقات لم تقتصر بالطبع علي الجانب الاقتصادي وإنما تعدته إلي الجانب الثقافي الذي أسهم في حركة الترجمة من وإلي الروسية، و في حوار الحضارات والبعثات الدراسية . ولا ننسى هنا الإشادة بمعالي السفير السابق “سيرجي كيربيتشنكو” الذي تولي (من عام 2011م – 2019م) -وقد كانت فترة صعبة قادها بنجاح بالغ- فنرسل لروحه الطاهرة وردة في هذا اليوم المجيد، وكذلك لوالدته “فاليريا نيكولاييفنا” المستعربة العظيمة التى كان لها دور كبير في نقل الأدب المصري إلي اللغة الروسية بترجمتها نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهما مما ساعد في تعرف الجانب الروسي علي الفكر المصري الأصيل.
وأتمنى في هذه المناسبة أن نستمر في التبادل الثقافي والتعليمي بين البلدين؛ فبناء العقول صناعة ثقيلة وبنى تحتية تنعكس على حياة الشعوب. وقد أجل الجانب الروسي الاحتفال بعام الصداقة المصرية للعام القادم حتى لا يضيع زخمه في ظل جائحة كورونا؛ فليتنا من الآن ننشر مقاطع مترجمة من الأدب الروسي والمصري في ميادين البلدين، وكذلك مقطوعات فنية (كالباليه والموسيقى) بين الفقرات في الإعلام، فبهذا نتنسم الورد، وندعم الصداقة الحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock