مقالات رأى

زيارة المقابر في صعيد مصر بين البدعة و التراث

كتبت: شيماء اليوسف

الأموات يشعرون بنا ، حتى و إن كنا لا نشعر بهم ، يدركون ساعدتنا و أحزاننا ، يسعدون حين تمضي أقدامنا نحو بيوتهم فيستعدون و يتهيئون لاستقبالنا و إن كنا لا نراهم ، حتى أن الله جعل من البر زيارة القبور ، فإن قسوت قلوبنا فعلينا أن نتجه صوب بيوت الأموات فنتذكر الآخرة فنستغفر ونتوب .

إن علاقتنا بالعالم الآخر لا تنتهي عند رحيلهم ، فهم يحتاجون إلينا و يأنسون بنا ، و كان أحد الصحابة قد نام ولم يصلي العشاء خلف النبي محمد ” صلى الله عليه وسلم ” فرأى أبيه في المنام يقول له : ” لقد أحرجتني في معسكر الموتى أمام إخواني ” .. فالميت مثل السجين الذي يتلهف زيارة أحبته و ينتظرها .

النزعة الروحية التي تخالج دواخلنا تطفي ، على قلوبنا لونا من العطف و الرحمة لاسيما أهالي الصعيد الذين يتشبعون فطرة حنونة طيبة ، قد لا تجدها في أي مكان أخر من العالم حتى داخل مصر نفسها ، فجموع عريضة من النساء يذهبن صباح أول أيام العيد لزيارة المقابر مصطحبين معهن أطفالهن ، ليشاركن أحبتهن النائمون تحت التراب فرحة العيد و نسائمه .

كأنهن على يقين بانتظارهن ، و على ثقة كبيرة من سماع أصواتهن المكبوتة ، مدركين مشاعرهن الخفية المنطفئة ، يوزعن الحلوى و المخبوزات و الفاكهة و اللحوم و غيره ، كصدقة على أرواحهم ، يجلسن بجوار أبواب المقابر، يشكين إليهم الوحشة و الفراق و طيلة البعاد , و يدعين إليهم بالرحمة والمغفرة .

تأتي إحداهن بأحد شيوخ القرية ، فيرتل القرآن على الجالسين ، الذين يشهدون جمع كبير من العائلة و أطفالها ، إيمانا منهم بنزول الرحمة عليهم ، و المغفرة للمتوفى ، هذا المشهد يتكرر كل عام في الأعياد و المناسبات ، رغم أنه لم يعتاد في عهد الرسول زيارة المقابر يوم العيد أو يوم الجمعة ، إنما لابد من زيارتها باستمرار حتى يتذكر الناس الآخرة .

يعتبر البعض أن زيارة المقابر يوم العيد بدعة ، لم تجد من يتصدى لها ، و البعض الأخر يقتنع بأنها ضمن العادات و التقاليد الخاطئة التي تنتشر في صعيد مصر ، بينما هناك آخرون يؤمنون بأنها ، نمط تراثي لا يمكن التخلي عنه ، إلا أن تغير القلوب و الظروف و أساليب المعيشة ، قد ينهي هذا المظهر .

و قد اعتاد ساكني قرية ” زعبرة ” التابعة لمركز ديرمواس ، بمحافظة المنيا ، على زيارة القبور في مشهد لم يتغير منذ أعوام سحيقة ماضية ، مثلهم كالقرى التي تجاورهم فجميعهم يمضون في فلك واحد ، و لكن هناك ثمة سلوكيات يقوم بها الزائرين ، تدفعك الشعور بالضجيج و الاضطراب ، فعلى متن أبواب الموتى يمكثن لساعات طويلة في عويل لا ينقطع و صياح لا ينتهي ، و هو من أبشع المظاهر التي تحدث في يوم مبارك كيوم العيد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock