ثقافة وفن

خالد داغر..أصالة بالميراث ومعاصرة بالإجتهاد

بقلم – رشا يحيي
 
هو إبن الفنان الكبير/عبده داغر أحد عباقرة الموسيقى، وعازف الفيولينة الشرقى، الذى مزج بين المهارة والبراعة في العزف مع القدرة على الارتجال والتقاسيم والطرق المستقاة من التلاوة القرآنية والإبتهالات الصوفية..والذى وُصفه أحد المؤرخين الموسيقيين فى أوروبا بأنه:”موسيقار من أمة القرآن تتلبسه أرواح عمالقة الموسيقي في الغرب كبيتهوفن وباخ وموتسارت”..وصدرت ألبومات موسيقية لمؤلفاته فى أوروبا، سمى أحدهم “ملك التقاسيم”..ووضع له تمثال فى حديقة الخالدين بألمانيا..ولد خالد فى 4 نوفمبر1967..وورث موهبته الموسيقية أبا عن جد..فقد كان جده لوالده صانعا ومعلما للعود فى طنطا، وتتلمذ على يديه كثيرون منهم(محمد فوزي وبليغ حمدى)..وكان الجد كان رافضا لعمل إبنه بالموسيقى، لما عاناه من نظرة المجتمع للموسيقيين آنذاك، إلا أنه إحترف الموسيقى رغما عن أبيه، ولذلك لم يفرض على أبنائه أى إتجاه، وترك كل منهم يختار طريقه كما يتمنى..وكان لنشأة خالد فى الأجواء الموسيقية، أثرا فى موهبته وتكوين شخصيته الجادة..فرغم أن والده العبقرى لم يدرس الموسيقى، إلا أنه إبتكر منهجا تعليميا لعزف الفيولينة الشرقى، وكان يقضى حوالي 12 ساعة يوميا فى التدريب عليها، حتى صار مدرسة متميزة فى العزف..وأصبح بيته ملاذا يحتضن المواهب ويعلمهم ويساندهم..ورغم عشق خالد للموسيقى منذ ميلاده، إلا أن الصدفة لعبت دورا فى مساره الإحترافى، حيث كانت شقيقته الكبرى طالبة فى معهد الموسيقى العربية، وسمعت عن إمكانية إلحاق الصغار بالكونسرفتوار، فإقترحت إلحاق شقيقها خالد، ورحب والدهما بذلك..وبدأ الدراسة الموسيقية منذ الصف الخامس الإبتدائى..وكان يتمنى العزف على إحدى الالات الوترية التى تقتضي دراستها عمرا أصغر، فقام بتكثيف الدراسة مع د/أشرف شرارة على آلة التشيللو وإستطاع تحضير برنامج ثلاث سنوات خلال شهور قليلة..ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلته مع التشيللو التى إمتدت حتى الآن..ورغم براعته فى كرة القدم فى صغره، إلا أن والده خيره بينها وبين العزف، بعد إصابته خلال اللعب بشرخ فى إحدى يديه..فنصحه بأن يختار العزف أو الكرة لأنهما لن يجتمعا سويا..فرجحت لدى خالد كفة العزف، وأصبح بعدها من أهم وأمهر عازفى التشيللو فى مصر..وقد حصل على البكالوريوس من الكونسرفتوارعام 1992، ثم الماجستير عام 2003، والدكتوراه عام 2007..ووصل لأعلى الدرجات العلمية عام 2019 بترقيته لدرجة أستاذ..كانت بدايته مع التأليف الموسيقى عام 1997 من خلال التجربة التى خاضها فى إعادة صياغة موسيقى موتسارت الشهيرة
” Eine kleine Nachtmusik”
بشكل مصرى، حيث تعاون مع المؤلف الموسيقي الفرنسي
Hughes de Courson
فى مشروع إصدار ألبوم بإسم “موتسارت المصرى”وكان خالد أحد داعميه الذين ساعدوا في دمج العازفين الشعبيين داخل الإطار الكلاسيكي..وحينها إقترح على المؤلف الفرنسي هذا العمل الشهير، فوافق ولكن طالبه بتنفيذه..وقد حقق هذا الألبوم شهرة ونجاح فى الكثير من الدول..وفتح شهية خالد لدخول هذا العالم الذى لم يكن غريبا عليه، سواء بمشاركته فى ميلاد الكثير من المؤلفات لكبار الموسيقيين من خلال عزفه على التشيللو، أو من خلال تجربة والده فى تأليف قوالب مصرية طورها وصنع بها هوية مميزة لصيغ الموسيقى المصرية البحتة..وقد بدأ خالد بعدها تنمية مهاراته التى تدعم قدرته على التأليف، وقام بالعديد من التجارب..إلا أن بدايته الحقيقية كانت من خلال وضعه لموسيقى مسلسل”الحارة”عام2009، وبعدها توالت مشاركاته ونجاحاته فى الكثير من الأعمال..فوضع الموسيقى لمسلسلات
(دوران شبرا..البلطجى..فرح ليلى..فيفا أطاطا..بين السرايات..ستات قادرة..رمضان كريم..الحساب يجمع..للحب فرصة أخيرة..أرض النفاق..بلا دليل)..أما الأفلام فقدم(صرخة نملة..قبل الربيع..حلاوة روح..حديد..فزاع..الليلة الكبيرة..حرام الجسد..إشتباك..سوق الجمعة..حرب كرموز..جريمة الإيموبيليا..البدلة..خيال مآتة..حملة فرعون)..كذلك قدم تجربة موسيقية متميزة لمسرحية”سلفي مع الموت”..وللأطفال مسلسل الرسوم المتحركة”أنبياء الله” التى إستطاع من خلال موسيقاه إجتذاب آذان الصغار والكبار..وتتميز موسيقاه بشكل عام بالتنوع والجرأة، فهو يجيد الموسيقى الشرقية التى نهلها من والده، ويجيد الموسيقى الغربية التى قضى عمره فى تعلمها..لذلك إنعكس ذلك على موسيقاه، وبراعته فى المزج بين الأنماط المختلفة..ومن التجارب الهامة التى أضافت لخبراته الموسيقية وزادتها عمقا، تجربته مع المجموعة المصرية الأوروبية للموسيقى المعاصرة التى تأسست عام 2010، والتى تدعم الإتجاهات المعاصرة فى التأليف الموسيقى، والطرق غير التقليدية والاصوات المستحدثة وما بعد الحداثة..وهو ما أكسبه مهارات غير نمطية عزفا وتأليفا، ومنحه قدرة هائلة فى التعبير، بحيث أصبح يمتلك أدوات مختلفة لا يعرفها كثيرون فى مصر..أما الجانب الشخصى فقد عرفته عن قرب من سنوات بعيدة، منذ ايام الخطوبة مع زوجته عازفة الفيولا صديقتى(هند صلاح) الإنسانة الراقية المخلصة الحنونة، وتابعت كيف كانت قصة حبهما نموذجا للعطاء والاخلاص والتفانى لم نر لها مثيل..وبعدها جمعتنى معه صداقة وأخوة وعمل وأسفار عديدة شاهدت خلالها مدى نبله ومروءته..فظل خالد داغر طوال هذه السنوات رمزا للرجولة والشهامة كما يجب أن تكون..وقد ورث خالد عن أبيه أيضا إتقانه وإخلاصه فى العمل..وكما عرفنا عن عبده داغر أنه لا يبخل على تلاميذه ومريديه بموهبته وعلمه الذى إكتسبه بالتدريب والعمل والدأب..كذلك إبنه خالد داعم بكل ما أوتى من قوة لتلاميذه، وللمواهب التى يقتنع بها..وقد شاهدت دوره ودعمه لتجربة فريق”واما” الغنائى الذى إعتمد على 4 من أبناء الكونسرفتوار(عازفين فى الأساس)، دمجوا الطرق الغربية فى الأداء مع الشكل الشرقى، وإستخدموا تعدد التصويت(البوليفونية) فى غناء الجمل العربية، وهو ما يبتعد إلى حد ما عما إعتاده المستمع العربي، فساهم خالد فى ميلاد ونجاح هؤلاء النجوم الأربعة..ومؤخرا سعدت بتوليه رئاسة البيت الفنى للموسيقى والأوبرا والباليه بالمركز الثقافي القومي، ليقينى بأنه فنان حقيقى يمتلك أفكاراً طموحة، ويجمع بين الفن والخبرة والخلق والإحترام..وأتمنى أن يكون هذا المنصب بداية لتألقه الإدارى، كما نجح وبرع وتألق عزفا وتأليفا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock