تاريخنا حياتنا

جميله يا مصر …. جروبى

✒️فاروق شرف

من أشهر المحلات التى زرتها كثيراً من أيام الزمن الجميل بوسط القاهرة ولا زالت صامدة حتى اليوم هى محلات چروبى الكلاسيكية ذلك المقهى العريق ذو الواجهة المزينة ببلاطات الأزمالدو ( البلاطات الصغيرة مقاس ٢فى ٢سم ) الملونة بألوان زاهية أصلية وعلى هيئة رسومات هندسية غاية فى الدقة والإبداع.

هذا المقهى أسسه چاكومو چروبى السوسرى الذى جاء إلى مصر فى ثمانينات القرن التاسع عشر وأنشأ مع إبنه مطعما ومتجراً لبيع الحلوى يحملان إسمه الأول بميدان سليمان باشا الفرنساوى ( طلعت حرب ) حالياً والأخر بشارع عدلى وبحديقة كبيرة تطل على شارع عبد الخالق باشا ثروت.

تضاعف النجاح بعد أن افتتح محلين أصغر وأكثر بساطة يقدم فيهما الشطائر والحلوى والمشروبات وقوفا على الطريقة الأمريكية كما لم يكتفِ چاكومو بالمحلاّت الأربعة فكان يعمل على توصيل طلبات خارجية مثل إقامة الولائم في بيوت الوزراء والكبراء.

لم يكن چروبي مجرد مطعم ومقهى على الطراز الفرنسيّ وإنما جاء كمشروع ثقافي يرسي ذوقا وتقاليد جديدة حيث أعتبر مركزا من مراكز الحداثة ، فكان يقيم العديد من الحفلات الراقصة ، ويستقدم الفرق الموسيقيّة ، ويعرض في حديقته الخلفيّة عددا من الأفلام السينمائيّة ، أدخل چروبّي إلى مصر للمرة الأولى أنواعا جديدة من الشيكولاتة والعصائر المركزة والمربى والجبن ، وكرات مثلجة من الحليب والشيكولاتة وعصير الفواكه ،وأنواع جديدة من الحلوى كانت اسمائها جديدة وقتها: كريم شانتي مارون جلاسيه ،جيلاتي ، ميل فوي ، إكلير ، بُول دي شوكولاه ، وغيرها.

چروبى” اسم ارتبط فى أذهان معظم المصريين بأحد محال الصفوة فى بدايات القرن الماضى، وساعد على ترسيخ تلك الصورة فى الأذهان عشرات الأفلام المصرية القديمة التى ظهر المقهى ومحل الحلويات الشهير فى لقطاتها أو على ألسنة أبطالها، وبالرغم من مرور عشرات السنوات على هذه الأفلام؛ إلا أن المحل الأشهر فى منطقة وسط القاهرة مازال محتفظاً بطرازه المعماري الأوروبي الكلاسيكي منذ إنشائه.

جاء “جاكومو چروبى”، وهو من أصل سويسري، إلى مصر في أواخر القرن التاسع عشر لينشأ إمبراطوريته التى بدأها بمطعم ومحل لبيع الحلوى عام 1891 بشارع عدلى الشهير بمنطقة وسط القاهرة ، ليصبح “جروبى” بذلك واحدا من أوائل من أدخلوا المقاهى ذات الطراز الأوروبي إلى مصر.

ومن خارج المطعم تظهر العلامة التجارية “جروبى” بحروف عربية وأخرى لاتينية تجعل من يراها يدرك أنه أمام محل ذو طابع خاص ، وليس كباقي المحال الحديثة ، كما يظهر المعمار الأوروبي لنهاية القرن التاسع عشرة للعمارة التي تعلو المحل ، ومن الداخل لايزال يحتفظ المحل ببعض الآثاث القديم الذي يرجع لبدايات القرن العشربن ويعطي أيضاً الأثاث أنطباعاً بفترة السبعينات من القرن الماضى.
عند دخولك من باب المحل تجذبك موسيقى “الساكس فون” لتعيش فى أجواء هادئة ، وبخلاف ما نراه الآن في محال الوجبات السريعة من ذى طابع حديث للعاملين ، نجد أن العاملين بمحل جروبي محتفظين بملابسهم الكلاسيكية الأنيقة فيرتدوا زياً مكوناً من قميص وبنطلون وسديري وبابيون.

وفي حديثنا مع بعض العاملين بمحل چروبي “الأصلي” كما أسموه ، حكوا لنا عن تجربتهم مع المحل الأشهر منذ سنوات طويلة؛ فيؤكد عم أمين وهو الأكبر سناً أنه لحق الخواجات الذين كانوا يديرون المحل حتى عام 1981، قبل أن تشترى الشركة العربية للأغذية المحل ، وتبقى علي نشاطه وطرازه حتى اليوم.

وقال عم أمين أن الورثة “شيزار” و”بيانكى” كانوا آخر ورثة المحل عن جدهم ومؤسسه “جروبى”، مشيرا إى أنهم هم من باعوا المحل إلى الشركة العربية ، وأكد عم أمين أن “چروبى” لم يتم تأميمه أبداً وأرجع تفسيره لعدم تأميم المحل إلى علاقته الجيدة بالضباط الأحرار الذين قاموا بثورة يوليو ، وأكد أن “چروبى” كان يقوم بعمل الحفلات الخاصة بالرئاسة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وقال أن المحل لايزال يقيم الحفلات الخارجية والداخلية ويعد جميع الأطباق المصرية كطبق الحلوى الشهير “أم علي”.

وتملك الشركة الآن خمس فروع أحدهم في روكسي وباقي الفروع بمنطقة وسط البلد ولايزالوا أيضاً محتفظين بطابعهم فرعين منهم لمحل الآمريكين وهو المحل الذي كان يقدم الفطائر السريعة والأكلات على الطريقة الأمريكية والفرعين الآخرين لجروبي.

أما عن الزبائن فقد أكد لنا العاملون بالمحل أن الزبائن لم تتغير على الرغم من وجود بدائل أخرى ومطاعم ومقاهي حديثة مما تزيد المنافسة ولكن هم اعتادوا على چروبي بل أضافوا أنه أصبح هناك زبائن جدد من الجيل الجديد في العشرينات من أعمارهم بدأوا يرتادون المطعم ، مؤكدين “أن الزبون مهما يلف يرجع لنا تاني ، هنا الأصل”، ويضيف عم أمين “أن الزبون بتاعنا هو هو حتى لو بيتوفى ولاده بييجوا وفي أجيال صغيرة بيجوا وبيعرفوا صحابهم عن المكان ، زبونا مهما يسافر شمال ، يمين بيرجعلنا تاني ، أنا لي زبايني بيجولي من آخر الدنيا”.

وحكى لنا العاملين بالمحل عن عشرات الأفلام القديمة التى كان يتم تصويرها بالمحل ، والتى منها أفلا “حلاق السيدات”، “يوم من عمرى”، “العتبة الخضرا” وغيرها من الأفلام الشهيرة ، وأكدوا أنه لايزال تصوير بعض الأفلام والمسلسلات الحديثة يتم بالمحل حتى الآن ، مثل فيلمى “عمارة يعقوبيان”، و”صايع بحر” ومسلسل “جمهورية زفتى” وغيرهما، كما أكدوا على أن العديد من الفنانين والمشاهير مازالوا حريصين على ارتياد المحل حتى الآن.

وعلى الرغم من أن چروبي لم يعد يقتصر كما كان في السابق على طبقة معينة بالمجتمع وعلى الرغم من أن أسعار منتجاته لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها بالمحلات الآخرى، إلا ننا قد نجد في اوقات الأعياد والمناسبات المحال الأخرى مليئة بالزبائن لشراء الحلوى الموسمية من كعك وخلافه بينما جروبي يظل متسماً بطبعه الهادئ، وقد يرجع ذلك إلى أن بعض الأفراد لايزالوا يظنون ان جروبي ليس من مقدور الفرد العادي تحمل تكلفته ويراه البعض من جيل الشباب مكان لا يتناسب مع الايقاع السريع للحياة مقارنة بالمقاهي المختلفة حالياً وقد يراه البعض الأخر “ممل”.

قد تختلف أو تتفق أذواقنا حول المطاعم والمقاهي بين الحديث منها والقديم وقد تختلف أيضاً اختياراتنا، ولكن ليس هناك مجالاً للشك أنه عندما نرتاد چروبي أو أي من المحال ذات الطابع الكلاسيكي القديم يخلق بداخلنا شعور ما نابع من رغبة في نظرة إلى الوراء ، الماضي ، عصر فات.

وقد يدفع البعض مننا حنين ورغبة للعودة ولو لفترات قصيرة لزمن مختلف عاشه من سبقونا ولم يتبقى لنا منه سوى رتوش نحاول الحفاظ عليها في ظل حاضر سريع التغيرات.

( كل عام وأنتم بخير ) بمناسبة المولد النبوي الشريف وحلوى المولد.

نقل وإعداد لحق المعرفة بأننا مع التطور إلا أننا مازانا ذاكرين لعاداتنا وتقاليدنا الجميلة .
مع تحياتى: فاروق شرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock