مقالات رأى

” جحيم أسبانيا ” صناعة محلية

بقلم – مروة الحمامصي

 

خلد التاريخ حدثين بالغي الأهمية أثرا في تاريخ البشرية وعلى مختلفي الأصعدة والمجالات , ألا وهما الحرب العالمية الأولى ( 1914م – 1918 م) , و الحرب العالمية الثانية (1939م- 1945م ) . حدثان تركا وراءهما ملايين القتلى والجرحى والمفقودين و شعوب هجرت من أراضيها ونساء وفتيات اغتصبن , و كانت المحصلة خراب عالمي اشتركت فيه دول العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , وكانت ساحة الحرب تتسع للعالم أجمع وتشتعل بصفة خاصة في اوروبا في الحرب العالمية الأولى , واوروبا وشرق آسيا في الحرب العالمية الثانية , وبرغم اشتراك اوروبا في الحربين كان أحد أفراد البيت الأوروبي يقف الحياد لا لسبب سوى أن بيته يملأه الخراب وكان ذلك الفرد هو اسبانيا .
فاسبانيا عندما بدأت الحرب العالمية الأولى كانت منهكة من الحروب الخاسرة التي استنزفت منها الكثير , فكانت متخلفة اقتصادياً وصناعياً , اللهم إلا اقليمي الباسك و قطالونيا , فأسبانيا خرجت من سلسلة صراعات أنهكتها منها حرب مليلية في مع الريفيين في المغرب , و صراعها مع ألمانيا في المغرب , وخسارتها لمستعمراتها في أفريقيا وآسيا و الأمريكتين , لم تعد أسبانيا الامبراطورية القوية , ودخلت في صراعات داخلية , تبادل فيها الحزب الملكي والحزب الليبرالي الحكم , وكان الجيش و الأسطول و القوات الجوية يفتقروا للتسليح المتقدم , لذلك لم يطلب أي طرف من أطراف الصراع في الحرب من اسبانيا المشاركة , لدرجة أن البعض أطلق على هذا الحياد بالحياد القاتل , حيث تجرأت ألمانيا عليها و أغرقت غواصاتها السفن التجارية الأسبانية . وخرجت أسبانيا بمشكلة تضخم اقتصادي , ونقص في المواد الغذائية الأساسية و ارتفاع أسعارها , فتسبب ذلك بأعمال شغب في المدن , ونزاعات نقابية عمالية . وكانت أسبانيا وخاصة برشلونة مقصداً لكل الجواسيس من جميع الأطراف المتحاربة و أشهرهم ماتا هاري , وقد استطاعت أسبانيا في سنوات الحرب أن تصدر المواد الغذائية والأسلحة للدول المتحاربة فسددت ديونها و حققت أرباحاً ضخمة , إلا أنه في عام 1917 م , أثر ذلك سلباً عليها حيث كان تصدير المواد الغذائية أدي لنقصها في البلاد وارتفاع الأسعار , مما أدى للاضراب العام , وقد تخلخلت القوى السياسية التي تخدم النظام الملكي و ظهرت قوى جديدة على السطح . وقد اختتمت الأحداث بجائحة الأنفلونزا الأسبانية عام 1918م , التي راح ضحيتها الآلاف وقد سميت بالأسبانية لأن صحافة أسبانيا هي الوحيدة التي أعلنت عن الجائحة دون حرج , حيث أخفت صحف العالم عن انتشار الجائحة لتأثيرها على معنويات الجنود .
ثم يأتي الفصل الأكثر حدة و دموية على الصعيدين العالمي و الأسباني , فقد وصل أدولف هتلر عام لمنصب المستشار الألماني عام 1933م ، فألغى النظام الديمقراطي، وأيد القيام بمراجعة للنظام العالمي، وبعد ذلك بفترة قصيرة قام بتوقيع معاهدات تسلح ضخمة، مما جعل علماء السياسية يتوقعون أن حربًا عالمية ثانية سوف تندلع. ومثلما كان هتلر ثوريا في تفكيره أراد تأييد نظاماً ثورياً آخر في أسبانيا فتحالف النظام النازي الألماني مع النظام الفاشي الايطالي لدعم النظام الديكتاتوري الأسباني متمثلا في الجنرال فرانثيسكو فرانكو الذي قاد تمرد الجبهة القومية التي تحالف فيها فيها الملكيون مع الكنيسة الكاثوليكية -التي خشيت على مركزها من اليساريين – وايضا صغار ملاك الأراضي الزراعية ، بينما كان الاتحاد السوفيتى و المكسيك يساند الحكومة الجمهورية القائمة التي كانت ذات اتجاهات يسارية والتي وقف إلى جانبها العمال والفلاحين بعد أن نفت الملك ألفونسو الثالث عشر خارج اسبانيا وأعلنت قيام الجمهورية الثانية عام 1931م . وقد استغل كلا الجانبين الحرب لاختبار الأسلحة والخطط الاستراتيجة الجديدة. كما أثار قصف مدينة غرنيكا ذات الاغلبية الجمهورية بإقليم الباسك من قبل فيلق كوندور الألماني في أبريل 1937 م- ألهمت المأساة الرسام الأسباني بيكاسو برسم لوحة تعبر عماحدث – مخاوف على نطاق واسع أن الحرب الرئيسية القادمة ستشمل هجمات تفجير إرهابية واسعة النطاق ضد المدنيين حيث كان الطيارون الألمان يجرون تجارب ميدانية لقياس كفاءتهم، كذلك كان الجانب الايطالي يجرب أسلحته عن طريق امداد ” الجنرال فرانكو” بها .
ثم فاز القوميون في الحرب الأهلية في أبريل 1939، وأصبح فرانكو دكتاتوراً جديداً في إسبانيا، وقد تفاوض معه كلا الجانبين خلال الحرب العالمية الثانية الحلفاء والمحور ، ولكن لم يتم التوصل لأي اتفاقات رئيسية. غير أن ما فعله الجنرال هو إرسال متطوعين للقتال تحت القيادة الألمانية ولكنه أبقى إسبانيا محايدة، ولم يسمح لأي طرف باستغلال أراضيها. حيث كان هتلر يرغب في وضع قواعد في المغرب وجزر الكناري .
وعلى كل حال فقد نال أسبانيا الضرر من الحرب مثلها باقي العالم على الأقل اقتصاديا , إلا أن حربها التي استمرت ثلاث أعوام من 1936م وحتى 1939م , قد أمدت المؤرخين و الأدباء والفنانين بتسجيل حرب دموية شرسة تم فيها اعدام السجناء بدون محاكمات و الاختفاء القسري للآلاف , سواء من أفراد الشعب أو من مثقفيه . ونذكر منهم فيديريكو غارثيا لوركا ‏ الشاعر الإسباني والكاتب المسرحي والرسام وعازف بيانو والذي يعد واحدا من أهم مؤلفي القرن العشرين . ونقص عدد السكان بشكل ملحوظ وودعت أسبانيا العصر الفضي للأدب و العلوم و تضررت اقتصاديا بشكل كبير .
وإذا كانت أسبانيا قد مالت إلى دول المحور , فنجد أن دول المحور بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية 1945م , قد أفاقت من كبوتها فخرج المارد الياباني من القمقم , و انطلقت الصناعة الألمانية لتأخذ مكانها في المقدمة , واصبحت ايطاليا من الدول الصناعية السبع , وبقيت اسبانيا حبيسة في ديكتاتورية فرانكو الذي توفي عام 1975م – أمعن الشعب في انتقامه منه و تم نقل رفاته عام 2019م من مقبرة الشهداء إلى مقبرة زوجته شمال مدريد – ليترك آثارا على أسبانيا لم تقدر أن تتخطاها حتى الآن . حتى بعد عودة أسبانيا للحكم الملكي الذي طالب به الشعب عام 1975 م بوفاة فرانكو وتولي الملك خوان كارلوس الأول الحكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock