مقالات رأى

تأملات في سورة الأعراف

بقلم/ عبدالعزيز آدم

الأعراف هو مكان مرتفع بين الجنة والنار ولعلي أراه أشد عذابا علي أهل النار وهم يَرَوْن أهل الجنة وهم ينعمون بعد أن حرموا منها بكفرهم وطغيانهم ..وأكثر مكان سكينة ورضي علي أهل الجنة وهم يَرَوْن أصحاب النار في النار وهم يعذبون وقد نجاهم الله من عذابها.. أنى أقف كثيرا مشدوها كلما سمعت أو قرأت آيات هذه السورة الكريمة وكأنى أرى ذلك المشهد المهيب الذي يقشعر له البدن .. أراه أمامى رأي العين واسمع باذني العبارات المهزومة اليائسة التى يأن بها أهل النار وفي يأس قد تداركهم الهلاك وراؤا مصيرهم المحتوم .
******
تبدأ السورة الكريمة بداية طيبة بأمر مباشر الى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ ما أرسل اليه من ربه .. يبلغ الرسالة العظمى التى تتخلص في كلمة واحدة “التوحيد” وهى الرسالة ذاتها التى نزل بها الأنباء جميعا من قبل رسول الله الخاتم – محمد صلى الله عليه وسلم

تبدأ السورة الكريمة بهذه الرسالة الجامعة قبل الحديث عن أهل الجنة وعن أصحاب الجحيم, وكأنها رسالة واضحة من رب العزة جل وعلا أن التوحيد وعدم الشرك بالله هو مفتاح النجاة وطريق الوصل الي الجنة.

ويتحدث المولى عز وجل بإجمال عن أحوال الامم السابقة التى ظلمت نفسها وما يشتركون فيه جميعا فى خطوات تتكرر صفة وعملا مع كل أمة ظلمت نفسها:
يرسل اليهم رسلا…
يكذبون الرسل الا قليلا منهم…
يأتيهم البأس فيندمون ساعتها…
ولكن القصة لم تنتهي عند هذا الحد، إنما تكتمل يأتي يوم الندم الأكبر يوم القيامة .. يحاسبهم الله سبحانه وتعالى بعدله وقسطه .. تخف موازينهم حتى يلاقون مصيرهم المحسوم جزاء لظلمهم أنفسهم
وسوف تذكر السورة الكريمة لاحقا باستفاضة بعض قصص الأمم السابقة وسبب ظلم كل أمة لنفسها وذلك لسبب مهم جدا، ليس فقط للعظة والاعتبار ولكن لتكون أمة المسلمين هي الشاهدة علي هذه الامم حين يسألهم الله جل وعلا هل اتاكم رسل منى يبلغونكم رسالتى وآياتي؟ فيجيوب كذبا ما جائنا من نذير .. فيسال الله جل وعلى الرسل، وهو أعلم منهم بأحوالهم وأعمالهم، ولكن ليقيم الحجة ويعلمنا كيف يكون العدل وهو العدل سبحانه لا يظلم مثقال ذرة.. يسأل سبحانه وتعالى الرسل من يشهد لكم أنكم بلغتم رسالتى فيجيبون في ثبات وطمأنينة، يشهد لنا محمد وأمته. وبذلك يكون كتاب الله هو السجل والشرف العظيم لهذه الأمة والسبب الذي يعطيهم شرف الشهادة على الأمم جميعا يوم القيامة بان الله أرسل رسلا لأمم سبقتنا وأن هؤلاء الرسل عليهم السلام قد بلغوا ما أنزل إليهم من ربهم
“وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” سورة البقرة

تتطرق السورة الكريمة بعد ذلك الي قصة خلق الانسان وسبب الصراع الأزلي بين ابليس وآدم وَذُرِّيَّتِهِ بعد أن تكبر ظنا منه أنه أكبر من أن يسجد لما خلق الله ولم يعلم بطغيانه وتكبره أن سجوده لآدم ليس تحقيرا من شأنه ولا عبادة لادم, ولكنه تشريفا له ان يسجد لما خلق الله بيديه توقيرا لربه وطاعة له .. فإن سجود الملائكة وإبليس لآدم إنما هو طاعة لله وإجلالا له لان آدم من خلقه جل وعلا.

وهنا يبدأ الصراع الأزلي بين الشيطان والإنسان بداية من وسواسه لآدم ليخرجه من الجنة مرورا بالأمم اللاحقة واستمرا الى ان تقوم الساعة… وهنا نقف قليلا عَند خروج آدم من الجنة هل هو عقبا له لأنه عصى أمر الله؟ ان خلق آدم من الأساس كان سببه أن يعمر الارض ويكون خليفة الله فيها وليس ليسكن الجنة ويتنعم فيها
“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)سورة البقرة
ومن هنا يكون نزول آدم إلي الأرض إنما عن موعد وحكمة أرادها الله سبحانه وهى سبب خلق ادم من الأساس وقد كان وسواس إبليس له وغوايته له ما هو إلا مجرد سبب أن يحدث قدر الله… وكان هذا أول درس لآدم والبشرية جمعاء, أن إرادة الله تتحقق حين تسبب لها الأسباب وأن مغفرة الله تسع كل شيئ برغم كل التحديات والغوايات التى يوجهها آدم وبنيه.
والدرس الأهم أن الشيطان هو عدو آدم وبنيه فلا يصح أن يكون له عليهم سلطانا أو يفتنهم كما فتن أبيوهم من قبل.

وتستمر الآيات الكريمة في سلاسة معجزة لتؤكد على الرسالة الأساسية والغاية من إرسال الرسل وهى رسالة “التوحيد”…

وبعدها تبدأ السورة الكريمة في وصف ذلك المشهد المهيب تدريجيا الي ان تصل لوصف أهل النار وأهل الجنة والحديث المفرح المبكى الذى يدور بينهم…
البداية مع لحظة موت الظالمين يحين تقبض أرواحهم بأمر الله ومن هنا تبدأ اللحظة الحاسمة لحظة اليقين … مع أول سؤال تسأله لهم الملائكة لحظة قبض أرواحهم “أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ” وتاتي الإجابة في لحظة اليقين بعد أن تخلى عنهم الوهم والجهل والضلال والشيطان, تأتي الإجابة بأول شهادة للظالمين علي أنفسهم بدون اي تردد او تفكير “قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ”
وشاهدتهم اليائسة هذه ما هى الا بداية للمصير المحتوم وليست أبدا شفاعة لهم أو أن يكون صدقهم في شهادتهم هو وسيلة للنجاة بعد ان انتهى زمن العمل والتصديق وبدا زمن الحساب والجزاء دون ظلم, بعد أن أنتهى العهد الذي يمكنهم فيه الكذب… فلم يظلمهم الا أنفسهم.
ويستمر المشهد المهيب المبكى بحديث أهل النار مع بعضهم البعض. الامم السابقة والامم التى تليها, لم يبدأ أبدا بالترحاب حتى بين أهل النار وهم المتشاركون في نفس المصير. وإنما يبدأ والعياذ بالله باللعنة عليهم من الملائكة الذين يقبضون ارواحهم ثم اللعنة من الأمم التى سبقتهم في النار. وهنا يتوقف العقل عند مشهد مبكى آخر حين تمتلأ النار بالأمم المتعاقبة وتأتى الامم الأحدث لتشعر ان هناك بصيص أمل وقد تملكهم اليأس. يدعون الله ان هذه هى الأمم السابقة التى كانت سببا في ضلالهم وقد ورثوا عنهم الضلال ونسو أنهم جائتهم رسل ربهم فكذبوهم. فياتى الرد الحاسم من الله عز وجل بأن يخسأوا وبأنهم جميعا سينالون ضعفا من العذاب لينتهى عندها ذلك الجدل المفجع في النار ولا يجرأ أيا منهم ان يعصي الله فى الآخرة وقد عصوه سبحانه وأشركوا به في الدنيا .
وتستمر الايات الكريمة في هذا المشهد المهيب ووصف أحوال أهل النار وأهل الجنة الى أن تأتي لحظة فريدة اذا تأملت فيها ربما يقشعر جسدك تمعنا ورهبه من موقف يخطف النظر والقلب والعقل جمعيا, لحظة الحديث بين أهل النار وأهل الجنة هذا الحديث المفرح المبكى والذي يبدأ بسؤال بسيط من أهل الجنة وكانهم أمروا أن يبدأوا هم بالحديث “وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا” ياتى الجواب من أهل النار بلا تردد كالمعتاد وفي كلمة واحدة مقتضبة كلمة برغم بساطتها تحمل الكثير من الالم والمعانى الموجعة “قَالُواْ نَعَمْ” وبعد اعترافهم يؤذن مؤذن ليلعنهم ليكمل سلسلة اللعنات التى بدأت عند قبض أرواحهم مرورا بدخولهم النار ثم لحظة لقائهم بالأمم الظالمة التى سبقتهم ثم هذه اللحظة المهيبة التى يلتقون فيها بأهل الجنة وهم ينعمون وهذا من أشد انواع العذاب حين يَرَوْن الجنة ويعلمون أن هذا المكان الطاهر كان فيهم موطن لهم وكان من الممكن أن يكون لهم جزاء ولكنهم اضاعوه بظلمهم أنفسهم وقبل ان يضيعوه أضعاوا أنفسهم بكفرهم وشؤم معاصيهم.
وعلي النقيض في الجانب المشرق يرى أهل الجنة أهل النار وهم يعذبون ولولا وعد الله لهم لأصابهم الذعر والخوف من أن يكونو ولو للحظة من اَهلها, ولكن بطمأنينة ملئت أفئدتهم يدعون الله في تضرع وثبات “وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمين”
ويأتى حوار من على الأعراف وهى المنطقة المرتفعة بين الجنة والنار ليأتى عقاب من نوع آخر ليذكرونهم ببغيانهم وطغيانهم وتكبرهم.
يذكرونهم هل ترون أهل الجنة وهم ينعمون أليس بعض من هؤلاء قوما كُنتُم تسخرون منهم وتقسمون انهم ضآلين ولن ينالهم الله برحمه؟ فيكون الرد بالصمت بعد ان ملأ الْخِزْي والندم قلوبهم … وعندها وقد بلغ اليأس منهم مبلغا ينادون أصحاب الجنة في تضرع ورجاء مبكى “وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ” ويأتى الرد الحاسم المفجع لهم بعد ان كان ذلك آخر أمل لهم “قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ”
لا اله الا الله .. يا الله … كم هذا المشهد مؤلم ومبكي أسأل الله ان يحرم وجوهنا وأجسادنا علي النار .. اللهم امين يا رب

وهنا بعد هذا السرد المبكى يصف المولى عز وجل فى أحرف من نور.. ينبأنا سبحانه وتعالى فيه عن سبب هذا الجزاء المفجع ليكون لنا عظة وحجابا بفضله عن هذا المصير … ويذكرنا بنعمه وفضله علينا … فلا يكون جزاء ذلك أبدا الشرك به ومعصيته
وبعدها يخبرنا سبحانه وتعالى عن قصص الأمم السابقة التى ظلمت نفسها وكذبت بآيات الله ليكون ذلك عظة ويكون لنا شرف الشهادة على هذه الامم.

نسال الله العظيم أن يجنبنا كل صنوف الشرك به لأن للشرك دروب كثيرة لا يعلمها الا الله وأن يجنبنا معصيته وظلم أنفسنا لأنفسنا.
اللهم يا رب العالمين, قنا عذابك يوم تبعث عبادك وأمنا بأمنك وعاملنا بفضلك وبما انت أهله فإنك انت أهل التقوى وأهل المغفرة .
اللهم أجعلنا من عتقائك من النار … وان كان عملنا لا يصلنا الي رضاك فان عافيتك هى أوسع لنا.
يا رب النار .. لا تشوه وجوهنا بالنار .. وحرم النار على اجسادنا وأجساد ابائنا وأمهاتنا وجمع المسلمين … يا رب نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقابك وبك منك لا ملجأ ولا منجى منك الا إليك .. ضاقت علينا الارض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين… وقفنا ببابك فلا تطردنا من رحمتك … اللهم اكتبنا في عبادك الصالحين وآبائنا وذريتنا…
اللهم انى اعوذ بك من ان أشرك بك شيئا اعلمه واستغفرك لما لا اعلمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock