مقالات رأى

انظرو الي السماء


بقلم: د. تامر عبد الحافظ
«نهاية العالم بعد ستة أشهر ونصف» هكذا صرخت باحثة الدكتوراه في علوم الفضاء «كيت ديبياسكي» أمام ملايين الجماهير في إحدى حلقات البرنامج التليفزيوني الشهير «the daily rip» على الهواء مباشرة، محذرة العالم من كارثة وشيكة تهدد بدمار حقيقي للكرة الأرضية والجنس البشري يتسبب فيها ذلك النيزك الذي اكتشفته حديثًا ومعها المشرف عليها دكتور «راندل ميندي» – من خلال مرصد «سوبارو» – نيزك بحجم عشرة كيلومترات تقريبًا، أكبر من جبل إيفريست ذاته، كل الحسابات الفلكية تؤكد أنه قادم إلى الأرض مباشرة، وأن الدمار واقع لا محالة بنسبة 100%، أكدتها مرارًا وتكرارًا.
لم تجد «كيت» ومعها دكتور «راندل» مفرًا من إعلان ذلك على الملأ بعد أن توجها إلى البيت الأبيض الذي قابل هذا الموضوع بكل استغراب ولا مبالاة، حيث أن الرئيس غارق في الصراعات السياسية، وكسب مقاعد الكونجرس في التجديد النصفي أكثر من اهتمامه بدمار العالم كليًا.
وما أن انتهت باحثة الدكتوراه من إلقاء تلك القنبلة داخل الاستديو وأمام ملايين المتابعين بمنتهى الوضوح والبساطة، بعد أن أخفق مشرفها على التمهيد وشرح الكارثة رياضيًا، حتى قوبلت بعاصفة من السخرية، وبدلًا أن تكون الكارثة الوشيكة موضع الحديث والنقاش وسرعة التفكير في إنقاذ البشرية، أصبح وجه «كيت» الصارخ هو «التريند» بعد الكثير من التعديلات عليه ليصبح مادة للسخرية، وتكون هذه الفقرة من البرنامج الأقل مشاهدة بعد الفقرة السابقة له التي كانت الأعلى مشاهدة عن مقابلة مع مغنية تثير «الجدل» لمجرد الانفصال عن زوجها الفنان والعودة إليه على الهواء مباشرة.
مما اضطر «البيت الأبيض» إلى نفي الخبر تمامًا وكأنهم مجانين، بل والقبض عليهم، وما لبث أن وقع البيت الأبيض في فضيحة سياسية، مما اضطر الرئيس إلى استغلال حادثة «النيزك» ليشغل الرأي العام بها، لينقذ العالم وينقذ نفسه.
كل هذا كانت قصة واقعية لم تحدث بعد، حسب وصف ملصق فيلم «لا تنظروا للأعلى Don’t Look Up»، الذي تصدر أعلى المشاهدات في الأسابيع القليلة الماضية.
لن أقوم بحرق أحداث الفيلم أو نقده أو العرض له، فلست ناقدًا فنيًا، ولكن أنقل رسائله المهمة التي يجب علينا أن نلقي نظرة مطولة عليها، وأن نفكر فيها مليًا، بل وأن يكون هناك فعل.
منذ اللحظة الأولى وأنت تشاهد بداية الفيلم وعرض الأسماء، تجد أن كل الكلمات مكتوبة بأحرف كبيرة، وهذا في قواعد الكتابة على الإنترنت تُفهم على أنها صرخة أو صوت عال، وهذا ما يريده الفيلم، أن يصرخ في وجوهنا جميعًا.
يريد أن يوقظنا من ثمالة التفاهة التي قد تجعلنا لا ندرك أن هناك كوارث عظيمة تلتف من حولنا، قد تؤدي إلى نهايتنا جميعًا، رغم أن الفيلم مصنف على أنه كوميدي إلا إنه كغيره يضطر أن يناقش الأمور المهمة بقالب كوميدي، بل وصريح دون مواربة حتى يستطيع أي مشاهد أن يفهمه ويستوعبه بسرعة.
كان يجب أن يكون اسم الفيلم بصيغة إيجابية «انظروا إلى السماء» وليس بصيغة سلبية «لا تنظروا للأعلى»، حتى يُعطي رسالة قوية لكل من يردد اسمه بأنه يجب أن نسعى للمثل والقيم العليا، وأن نعلوا على الصراعات الشخصية لصالح المنفعة العامة.
رسائل الفيلم عديدة، وواضحة حتى الاستفزاز، عندما ينذرنا شخص بكارثة محققة، يقفز الكثير منا لينال منه ومن مصداقيته، بل والسخرية المقززة منه؛ حتى يركب «التريند» كما يُقال، كم من قضايا تهم الناس فعليًا تركناها لنشغلهم بالحديث عن فنان، أو أغنية أو زواج أو انفصال؟، أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
قضايا مثل المناخ والعلوم والأخلاق نتركها ونهتم بمهرجان أو موضة جديدة، نترك أحداث علمية وعلماء ونهتم بغيرها.
الفيلم، قال رسائل محددة، مثل: لا تسمعوا إلا للعلماء، لا تنخرط في ألاعيب السياسيين حتى لا تكون ضحيتها، العائلة ثم العائلة ثم العائلة هي الملجأ الأصيل لك، الإيمان بالله هو سبيل نجاتك وملاذك عند كل عقبة، لا تتبعوا التافهين على السوشيال ميديا؛ فأنت نفسك أحد ضحاياها.
ليس ضحية السوشيال ميديا من يقوم بالانتحار بالجسد فقط، بل أيضًا من يقوم بنحر وقته على مذبحها قربانًا لها، أو يبيع عقله في سوق نخاسة الأعلى «تريند».
إصلاح العالم إن كنت تسعى له، ليس بكثرة الجلوس أمام منشورات الفيسبوك وتويتر والإعجاب بها أو التعليق عليها، بل بالفعل على أرض الواقع.
لن تغير من أخلاق الناس بنشر فضائحهم أو السخرية منهم، بل ستغير الناس وتغير قلوبهم وعقولهم بالقرب منهم ومداواتهم.
إذا أردت أن تكتمل الصورة في ذهنك، شاهد أولاً الفيلم المثير والفلسفي عن حياتنا وذواتنا «الأم Mother!» لنفس بطلة فيلمنا هذا «جنيفر لورانس»، لتجد أنه يجب علينا أن نستيقظ قبل فوات الأوان ونجد النيزك فوق رؤوسنا.
يجب أن نعترف بأخطائنا، وأن نعترف بأن انشغالنا عن الأمور العظيمة هو هلاك لأنفسنا وللأجيال القادمة، الوقت أثمن من أن نلوم أنفسنا ونقف مكتوفي الأيدي، يجب أن نتحمل المسئولية ونعمل على إصلاح حياتنا فعليًا وعلى أرض الواقع، النجاة ليس بكثرة الهاشتاج والمينشن أو حتى الثورات، النجاة بأفعال بسيطة من كل فرد منا يؤدي إلى تغييرات عظيمة، مثل تأثير الفراشة. نواجه المشكلات لا أن نتجاهلها ونلقي باللوم على غيرنا، فكلنا إلى الهاوية سائرون ما لم يستيقظ ضمير كل منا بإن عليه أشياء لا بد من إنجازها، وأشياء أكثر لا بد من تجاهلها.
استمعوا واتبعوا العلماء الحقيقيين في كل المجالات، وانتشلوا أنفسكم من تلك الفوضى العارمة من حولنا قبل فوات الأوان، التجأوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى يقينا شرور أنفسنا، فغدًا كلنا راحلون.
«انظروا إلى السماء» وإذا اقتربت الساعة لا تنسوا الدعوة بحسن الخاتمة والرضا من الله سبحانه وتعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock