مقالات رأى

الفوضوية العاطفية

 

كتبت : شيماء اليوسف

موضة العصر الحديث التكنولوجي، صدرت لنا ثقافة الفوضوية العاطفية الإعجاب عن بعد أو باللفظ الدارج ” الكراش ” ويشكل بمضمونه مصطلح جديد ابتكره مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما شريحة الشباب وبالتحديد اندلع علينا عبر نوافذ الفيسبوك وموقع المدونات القصيرة تويتر.

يحوي فعل ” الكراش ” إعجاب الشخص بأخر ومتابعته في صمت خافت دون أن يصارحه بإعجابه أو حبه، أسلوب سطحي جدا في رأي البعض، وهو بالكاد ناتج طبيعي للفراغ العاطفي والنفسي مرتبطا تماما بالغزو الثقافي الذي استعمر عقول الكثير من الشباب، فجلب لنا أفكار تبدو مختلفة بشكل واضح مع ثقافتنا وأنماط حياتنا التي رغدت عيشا في متاع الحياة البسيطة الصريحة الواضحة.

الأفكار الركيكة سريعة الانتشار والتحول إن لم تجد من يتصدى لها تلتهم أشلاء المجتمع وطباعه وثقافته، حتى إن لم تغيره بأكمله فهي لا محالة ستؤثر على فرق عديدة داخل النسق الاجتماعي الذي يندمج في المجتمع ويتفاعل بشكل مباشر وغير مباشر مع أعضاء هذا النسق، فيتبادلون أساليب حياتهم ووضعية اجتماعياتهم فيتأثرون ببعض ويشكل كلا منهم وعيا لدى الأخر أو فكرة أو نمط أو طريقة معيشية مختلفة.

لعب رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أشكاله دورا سخيفا في بلورة فكرة ” الكراش ” والترويج لها وأصبح هناك العديد من الفيديوهات لشباب يتحدثوا عن دور الكراش في حياتهم وطرق معرفة إن كان هناك أحد الأشخاص ” بيكرش عليك ” كما يقول الشباب، إلى جانب طرق القيام بفعل ” الكراش ” لفتاة لمعة عينيها كانت ملفتة للغاية،أو شاب كان ذوقه رفيع في اختيار عطره الذي جذب أنفاسك.

و تستمر الخزعبلات العاطفية الفارغة في خداع الأجيال وإفسادها، حيث أن المنهمكين بأعمالهم ومشغولون في التقاط لقمة عيشهم وباحثون في دروب العلم، ليس لديهم وقت لتضيعه في العبث المسمى بالإعجاب عن بعد.

يعتبر الفتيات أن ” الكراش” هو شخص تعلقت حبائل الروح في شباكه، في الواقع نفسه هناك عقبة في الوصول إليه والتحدث معه والإعراب عن لواعج الفؤاد غير المصرح بها، ربما عدم القدرة على الجرأة في مصارحته ربما أشياء أخرى تقف سدا منيعا في الاقتراب من تلك القابض خلف نافذته الالكترونية، فوجدت في فكرة مراقبته صمتا مستودعا لأنفاسها الحارة الممزقة.

و يمثل هذا النوع من الإعجاب أو الحب أقسى أنواع الاضطراب النفسي، فما الذي يجبرنا على تعذيب أنفسنا؟ الحياة الدنياوية قصيرة للغاية، والأيام التي تمضي من عمرنا لن تعود فلماذا ننهك أرواحنا بمراقبة الآخرين حتى إن كنا نعشق التراب الذين يمشون عليه ؟!

يأتيك في هذا البين ” الكراش ” على الفنانين بمختلف ألوان فنهم من غناء وتمثيل ومختلف الأجناس سواء الذكور والإناث، كلنا له فنانه الخاص الذي يستمتع بأعماله وله مطربه الخاص الذي يطرب آذانه، ولكن لم يصل بنا الأمر إلى مراقبته والاهتمام بأدق تفاصيله فهو بشر مثلنا له ظروفه الخاصة وأسلوب حياته الخاص وقد يختلف تماما مع حياة كلا منا فلا داع أن نرتدي ثيابا مثله أو نتحدث بنفس طريقته وإلا أصبح جنونا وليس إعجابا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock