مقالات رأى

” الحكيم ” بقلم د – شيرين العدوي

لم أحدد أى حرف يمر أمامي وأنا أقرأ: هل هو الدال أم الذال. دققت حتى غامت الحروف ثم ظهر الحرف. لم أتبين النقطة التى تقف فوق الحرف جيدا حتى خلتها همزة. فكرت طويلا هل أجدادي العرب اخترعوا حرفا لم أعرفه، وخصوصا أني أقرأ في مصادر تاريخية قديمة؟ تيقنت لحظتها بعد عدة محاولات أنه حرف الذال وأني كيعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من كثرة الدموع حزنا على يوسف، ولكني في موقف مختلف؛ فقد ابيضت عيناي من كثرة البحث عن يوسفي الخاص ألا وهي معلوماتي التي أجمعها من أجل بحثي. دقات قلبي أيضا لا تستقر رفعت سماعة الهاتف وتحدثت مع الحكيم العبقري الإنسان ا/د محمد عوض تاج الدين ، فرغم مناصبه الكثيرة التي يتقلدها ما من مرة هاتفته إلا وأجابني ووجهني؛ وبمجرد أن يسمع الشكوى يتبين موطن الخلل ويرسلني فورا لأفضل الأطباء رغم معرفته بالدواء. أشارعلي بطبيب عيون لم أكن قد سمعت به من قبل ربما لبعد المسافة بيننا فهو في مصر الجديدة وأنا من قاطني الشيخ زايد. تململت ثم قررت مع تفاقم حالتي الذهاب. لحظّي العسر كانت البلد تضج بزحام مروري. استغرق المشوار أربع ساعات تقريبا. ما إن وصلت العيادة حتى ازدادت ضربات قلبي سوءا. لا أحب رائحة العيادات، وأكره ضياع الوقت. لبرهة تخيلت أني أخطأت العنوان ولولا تيقني من “اللافتة” لقلت إن د/ محمد أراد أن يرفه عني فأرسلني إلي (كافيه) فخم لآخذ فيه الشاي وأعود. استوعبت بعد لحظات أني عند الطبيب بالفعل كان صوت الموسيقي الجميل الذي ينساب بالأغاني المصرية الأصيلة والسيمفونيات العالمية يمسح عني عناء المشوار. أحسست أني أحلق في السماء! ما إن دخلت حتى استقبلني مدير العيادة بابتسامة رقيقة ثم طلب مني ملء بعض الأوراق لشرح حالتي بالتفصيل وما أعاني.
انتحيت جانبا وبدأت الإجابة عن أسئلة من الطبيعى أن تُسأل: كم ساعة تقرأ أو تكتب؟ كم من الوقت تقضيه أمام شاشة الموبايل والكمبيوتر؟ ولكن الأسئلة التي فاجأتني: هل تعزف الموسيقى ؟ ما هواياتك الأخرى؟ ما آخر كتاب قرأته؟ هل تمارس رياضة المشي كل يوم؟ قلت في نفسي لابد أن هذا الطبيب كبير السن ممن تربوا في الزمن الجميل. بعدما سلمت الأوراق جلست في مكان الانتظار. لفت نظري جماله ورائحته الزكية ، والضوء الرقيق المنساب كالموسيقى، البنبون مع ورق الورد على طاولة الاستقبال. على الطرف المقابل مكتبة صغيرة في متناول كل الجالسين. لم أصدق نفسي وأنا أتفقدها! كتب عن مصر الفرعونية، وأخرى في الاقتصاد والتاريخ الاجتماعي. روايات مختلفة مهمة. مجموعة من المجلات. نظرت فيمن حولي من المرضى على غير عادتي فلا أحب التلصص أبدا على الناس ومتابعة شؤونهم. كانت نظرتي فقط من قبيل استكشاف هل ينتصر (الكتاب والموسيقى) أمام طغيان الموبايل؟ وجدت الجميع تقريبا في حال من القراءة أو الاسترخاء مع الموسيقى في انتظار الدور. لم أصدق نفسي وأنا أقابل الطبيب: شاب فتيّ، صغير السن، عريض الابتسامة، هادئ الكلمات. بعدما قرأ بعناية تاريخي المرضي، وناقشني مناقشة ثقافية رفيعة بسبب ما كتبت أومأ برأسه قائلا: كل شئ على ما يرام، لا تخافي أبدا إن شاء الله.المفاجأة أنه يعالج المحتاجين في عيادات أخرى بنفس المستوى. عندما يجتمع العلم مع الثقافة مع الروح الطيبة والإيمان بالله ينتج لنا الطبيب الحكيم الذي يدرس جيدا مريضه ثم يضع العلاج المناسب. إنها الثقافة عندما تكمل لنا أدوات الطبيب ليصبح حكيما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock