حقائق وأسرار

أمجاد مصرية

بقلم/دكتور عبدالفتاح عبد الباقى

حكاية برج القاهرة الشاهد على أكبر خازوق أخذته المخابرات الأمريكية فى تاريخها وأكبر شاهد على شموخ مصر وجمال عبدالناصر أطهر من حكم مصر .

المصدر كتاب الواء الدكتور عادل شاهين
اللواء عادل شاهين وكيل المخابرات العامة الأسبق يحكى القصة فى كتاب له
* وهو باحث متخصص فى شئون الأمن القومى المصرى
*و محاضر بمعهد العلوم الاستراتيجية بالقاهرة.
* عضو بالمجلس المصرى للشئون الخارجية.
*و حاصل على درجة الدكتوراه فى القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1985.

*و حاصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثانية:
يلخص اللواء دكتور عادل شاهين، قصة تشييد برج القاهرة فى مقدمة كتابه فيصفها بأنها «تجسيد حى لحب مصر، ودرس لكل من تسول له نفسه أن يفكر يوما فى شراء ذمم ابنائها أو يكسر إرادتها أو يحاول استئناسها لتحيد عن دورها القومى فى محيط أمتها العربية ودورها الأفريقى والإقليمى والدولى.

إنه برج القاهرة الذى كان وسيظل درسا ماثلا للرد على الغطرسة الأمريكية سواء على المستوى السياسى أو على المستوى المخابراتى.

قصة بناء البرج بدأت بعد محاولة من المخابرات الأمريكية لاختراق الذمة المالية للرئيس جمال عبد الناصر، ففى عام 1955 تلقى الرئيس عبد الناصر من مستشاره السيد حسن التهامى، تقريراً عن زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، بناء على دعوة من السفير الأمريكى بالقاهرة لمقابلة بعض الشخصيات السياسية المهمة بواشنطن.

التقى التهامى بالرئيس عبد الناصر بمنزله فى منشية البكرى، وناقشا معا مضمون التقرير، والذى خلص فيه حسن التهامى إلى أن ما سمعه من مستشار الرئيس الأمريكى فى البيت الأبيض وعدد آخر من السياسيين ينطوى على أن الولايات المتحدة الأمريكية تأمل فى أن يكون لها علاقات طيبة ومتواصلة مع مصر، وأنها تقدر الرئيس جمال عبدالناصر وترى فيه الزعيم الذى يعمل بكل طاقته من أجل تقدم مصر.

وأورد التقرير عن مستشار الرئيس الأمريكى قوله إن بلاده ترى فى نفس الوقت أن مواقف التدعيم والمساندة السياسية وغير السياسية التى تتبناها مصر تجاه حركات التحرر فى بعض دول الشرق الأوسط وعلى الأخص فى شمال أفريقيا كالجزائر وعدد آخر من الدول الأفريقية، يمكن توجيهها لصالح مصر وبما يعود على مصر بالفائدة وذلك من خلال علاقات أفضل مع الدول الغربية وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية التى لن تتأخر فى دعم مصر ومساندتها.

بنهاية عرض تقرير التهامى، أصدر الرئيس عبد الناصر توجيها وصف فيه زيارة التهامى لواشنطن بأنها جاءت مفيدة فهى قد «حددت لنا من خلال هذا الاتصال كيف يفكر الأمريكان تجاه مصر.. وأنا أرى أن تستمر يا حسن فى التواصل فى علاقاتك مع الأمريكان فهذا يمكننا من الوقوف أولا بأول على ما يدور فى عقولهم تجاهنا».

وتمضى الأيام ويتلقى حسن التهامى اتصالا تليفونيا من مستشار السفارة الأمريكية بالقاهرة يدعوه إلى حضور حفل استقبال فى منزل السفير الأمريكى بالمعادى ويخطره بأن الدعوة فى طريقها الآن إلى منزله. ويعرب التهامى لمحدثه عن ترحيبه وقبوله للدعوة.

وفى التاريخ والوقت المحددين كان التهامى يشارك فى حضور حفل الاستقبال والذى حضره عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكى بمجلسيه الذين كانوا فى زيارة لمصر. وقد لوحظ أيضا أن عددا من كبار الصحفيين والإعلاميين المصريين والكتاب والشخصيات العامة المصرية كانوا أيضا حضورا فى هذا الحفل.

وخلال الحفل أقبل مستر مايلز كوبلن كبير ضباط المخابرات الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، محييا حسن التهامى واصطحبه إلى (البار) الواقع فى أحد أركان الصالون ودعاه إلى تناول كأس من المشروب المفضل له، فالتقط التهامى كأسا من عصير البرتقال، وبدأ تبادل حديث ودى للغاية بين الطرفين، قد كان هناك سابق معرفة للتهامى بمستر مايلز كوبلن فقد تقابلا من قبل فى احدى حفلات الاستقبال فى السفارة الأمريكية على شرف الاحتفال بيوم استقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

ويكتب المؤلف نص حواراً دار بين فهمى وكوبلن جاء فى نصه:
مايلز كوبلن: أعلم أنك عائد للتو من الولايات المتحدة كيف كانت الزيارة؟
التهامى: حسنا.. كانت إيجابية للغاية، فقد لمست خلال الزيارة تفهما عميقا من الساسة الأمريكان لدور مصر فى محيط إقليمها العربى والأفريقى.
مايلز كوبلن: بالطبع هذا الدور نلمسه جميعا فمصر نشطة فى تقوية علاقاتها بالعديد من الدول الأفريقية خاصة تلك التى تسعى إلى التحرر والحصول على الاستقلال.. وهذا الدور لا يقلق الولايات المتحدة.
التهامى: نعم.. ولكن يبدو أنكم تفضلون لمصر أن تنغلق على كيانها.. وهذا أمر يتعارض مع كون مصر دولة لها حضور قوى فى محيطها العربى والأفريقى.. وهذا جزء أصيل من رسم سياستها الخارجية.

مايلز كوبلن: نعم.. نعم.. ولكن الولايات المتحدة ترى أن مصر كلما كانت قوية فى ذاتها كلما كان هذا يعكس قدرتها على فاعليتها فى منطقة الشرق الأوسط.. والكثيرون من صناع السياسة فى أمريكا يرون أن علاقة مصر القوية مع الولايات المتحدة سيدعم دورها الإقليمى والدولى.

وأضاف: وعلى فكرة.. لقد اتخذ الكونجرس الأمريكى عدة قرارات لدعم الدول المؤثرة فى محيطها الإقليمى والدولى وبالطبع مصر ستكون فى مقدمة هذه الدول.
التهامى: أعتقد أن مصر توافق تماما على أن تكون علاقاتها بالدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية فى أفضل حالاتها وترحب بأى مسعى فى هذا الاتجاه طالما يحفظ لمصر سيادتها وأمنها القومى.
مايلز كوبلن: وقد بدا عليه أن يتوقف الحوار عند هذا الحد.

فيستطرد : مستر حسن أتوقع أن يكون فى الأفق القريب لقاء آخر بيننا فى القاهرة، وأنا سعيد بلقائك الليلة ثم ينصرف الاثنان إلى مخالطة بقية المدعوين.
وهكذا انتهى لقاء على غير موعد بين حسن التهامى ومايلز كوبلن ضابط المخابرات الأمريكى الذى كان فى هذا الوقت معروفا لدى الجميع بأنه أكبر ضباط المخابرات الأمريكية فى الشرق الأوسط وبعد يوم كان التهامى يقدم تقريرا وافيا عن اللقاء للرئيس جمال عبدالناصر.. وكان توجيه الرئيس هو نفس التوجيه السابق بعدم تفويت أى فرصة للقاء أى من السياسيين الأمريكان أو كبار المسئولين فى المخابرات الأمريكية للوقوف على نوايا أمريكا تجاه مصر وسلوكها.

خلال قيام حسن التهامى فى منزله بتناول فنجان شاى وتصفحه للجرائد الصادرة فى هذا الصباح دق جرس تليفون منزله، وكان المتحدث مايلز كوبلن، وبعد الترحيب بالاتصال وتبادل التحية بادر مايلز كوبلن بطلب أن يحضر حسن التهامى لزيارته فى فندق سميراميس لمناقشة موضوع على قدر كبير من الأهمية.

وخلال الاتصال حدد مايلز كوبلن للتهامى رقم الجناح الذى يقيم فيه فى فندق سميراميس كما حدد له توقيت اللقاء وطلب منه أن يكون اللقاء سريا ولا يحضره أحد غيره لأهميته.

وما إن انتهى الاتصال التليفونى ووضع التهامى السماعة بدأ يفكر بعمق وسرح بخاطره وتساءل فى نفسه ماذا سيكون هذا الأمر المهم؟ وما هى ضرورة أن يكون اللقاء مقصورا عليهما دون أحد غيرهما؟ هل سيفضى إليه بطلب خطير من الحكومة الأمريكية، إذا كان الأمر كذلك لماذا لا يتم عن طريق الدبلوماسيين الأمريكيين بالسفارة الأمريكية بالقاهرة. ترى ماذا سيقول فى هذا اللقاء؟
ظل التهامى يصول ويجول بخاطره، يطرق كل الاحتمالات ولم يرد بذهنه أبدا ما ستؤول إليه الأمور على نحو ما سيتم فى اللقاء المنتظر.

وفجأة تراءى للتهامى أن يخطر أحد زملائه من قادة الثورة بأمر هذا اللقاء من باب التحوط من أن يكون هناك مكروه ينتظره. وعلى الفور اتصل بزكريا محيى الدين المشرف العام على المخابرات وأحاطه بأمر اللقاء المنتظر دون أن يطلب منه اتخاذ أى إجراء.. وكرر أن الأمر يقتصر فقط على مجرد الإحاطة بموعد اللقاء ومكانه.فى تمام الموعد المحدد كان التهامى يخطو بقدميه إلى داخل بهو فندق سميراميس وواصل مسيرته حتى صعد إلى الدور الذى يقع به الجناح الذى حدد له رقمه وما إن استوى أمام باب الجناح بدأ يدق على الباب، وما هى إلا ثوان حتى كان مايلز كوبلن يقوم بفتح الباب مرحبا بضيفه حيث اصطحبه إلى صالون الجلوس وبدأ حديث ودى بين الاثنين صاحبه تحركهما إلى البار الموجود فى أحد أركان الجناح حيث التقط التهامى كأسا من عصير البرتقال، وتابعه مايلز كوبلن باختيار مشروبه المفضل ثم اتجه الاثنان إلى حيث جلسا ودار حوار بينهما جاء فيه:
مايلز كوبلن: فى لقائنا السابق خلال حفل الاستقبال فى منزل السفير الأمريكى ذكرت لك أن الولايات المتحدة يهمها أن تظل العلاقات مع مصر فى النواحى كافة على أفضل ما يكون.. وأن أمريكا تتطلع إلى أن يكون المجهود المصرى بكل طاقته موجها للتنمية فى مصر.

التهامى: نعم.. نعم استمعت إلى هذا خلال اللقاء، ومصر تعمل من جانبها على حسب ما أعلم على الحفاظ على علاقات طيبة ومتواصلة مع الولايات المتحدة الأمريكية وفى نفس الوقت هناك أهداف قومية لمصر تصوغها طبقا لما يحقق مصالحها فى المنطقة دون إضرار بأحد.

مايلز كوبلن: الواقع أن الكونجرس الأمريكى بمجلسيه قد توافق مع الاتجاه الذى تتبناه الحكومة الأمريكية الحالية ومن أجل تدعيم علاقة الولايات المتحدة مع الدول الصديقة فى المنطقة وعلى رأسها مصر قرر الكونجرس الأمريكى تقديم دعم مادى لرؤساء هذه الدول للتصرف فيه وفق ما يتراءى لهم، ولم تستحسن الحكومة الأمريكية أن يتم هذا من خلال القنوات الدبلوماسية.

وقد كلفت بتولى تقديم هذا الدعم عن طريقكم للرئيس عبدالناصر رمزا للتعاون والصداقة بين مصر والولايات المتحدة.

وأود أن أشير إلى أن الولايات المتحدة ستكون على أتم الاستعداد للاستجابة إلى أى طلبات أو مساعدات يطلبها الرئيس من عبدالناصر.

وإلى هنا استأذن مايلز كوبلن من ضيفه ودلف إلى حجرة داخلية وعاد مرة أخرى وفى يده حقيبة متوسطة الحجم مما هو معتاد أن يُرى أن شخصاً يحمل مثلها وسلمها لحسن التهامى بعد فتحها أمامه ليطلع على ما بداخلها وتسلمها التهامى وشكره وكرر أنه سيسلمها للرئيس عبدالناصر شخصيا فى صباح اليوم التالى ودون أن يعلم أحد بذلك.

وهكذا انتهى هذا اللقاء بين مايلز كوبلن ضابط المخابرات الأمريكية وبين حسن التهامى مستشار رئيس الجمهورية وخرج التهامى من اللقاء مذهولا وهو يحمل فى إحدى يديه (العطية المالية المقدمة من الرئيس الأمريكى) لجمال عبدالناصر.

على هامش القصة التى يرويها المؤلف اللواء دكتور عادل شاهين، يواصل الكتاب سرد قصة الحقيبة التى تسلمها التهامى، فما إن وضع الأخير الحقيبة بجانبه وهو يقود سيارته عائدا إلى منزله.. أخذ التوتر ينتابه وبدأ يساءل نفسه لماذا تسلمت منه هذه الحقيبة؟ ماذا سيكون رد فعل جمال عبدالناصر؟ إننى سأفقد الثقة الكبيرة التى يولينى إياها جمال عبدالناصر، وظل كذلك فى حيرة من أمره واضطراب إلى أن وصل إلى منزله وصعد إلى شقته ثم دخل حجرته ووضع الحقيبة بجانب سريره ونبه على من بالمنزل، بعدم المساس بها حيث إن بها وثائق ومستندات سيسلمها للرئيس غدا. وبات عقله شارد الفكر متوتر الأعصاب يعد الثوانى قبل الدقائق حتى بدت بوادر بزوغ فجر يوم جديد.

ولا يعلم أحد ما سيكون عليه الحال؟ هل سيقدمه ناصر للمحاكمة العلنية فى هذا الشأن؟ هل سيكلفه بإعادة الحقيبة لصاحبها مرة أخرى؟

بحسب نص مؤلفه اللواء دكتور عادل شاهين، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق.

بعدما تسلم التهامى الحقيبة، انتابته حيرة شديدة، بشأن ما سيفعله وكيفية تسليمها للرئيس عبدالناصر.
أدى حسن التهامى صلاة الفجر بعدما وصل ليلا لمنزله من لقاء كوبلن بفندق سميراميس، وبدأ يحتسى كوبا من الشاى مع مداعبة أصابعه لمؤشر راديو صغير كان بجانب سريره ليستمع لآخر الأخبار العالمية والإقليمية والمحلية، وما إن أشرق نور الصباح حتى قام وارتدى ملابسه وكانت الساعة قد أشارت عقاربها إلى السابعة صباحا فأمسك بالتليفون وطلب مكتب على صبرى مدير مكتب الرئيس، وبالطبع لم يكن قد وصل إلى مكتبه بعد، فرد (المناوب) بأن على صبرى على وصول. وبعد مضى حوالى ربع ساعة دق جرس التليفون وكان المتحدث على صبرى، وبعد تبادل تحية الصباح طلب حسن التهامى أن تتاح له فرصة لقاء الرئيس لأمر مهم ولو لخمس دقائق.. ووعد على صبرى بإخطار الرئيس فور تواجده فى مكتبه. وانتهى الاتصال التليفونى على أمل انتظار اتصال آخر من على صبرى يخطره بموعد مقابلته مع الرئيس جمال عبدالناصر.

لم يتأخر الاتصال المنتظر وحدد موعد اللقاء حسن التهامى وفى التوقيت المحدد كان التهامى قد وصل إلى مكتب على صبرى فى الدور الأرضى فى المبنى المقابل لمنزل الرئيس وبعد استفسار من على صبرى عن الحقيبة برفقته والتى ستكون معه فور لقائه مع الرئيس أفاد بأنه يعلم ما بداخلها وهى كلها (أوراق مهمة) ويمكن أن تكون أنت بصحبتى أثناء الدخول للرئيس وقام بفتحها حيث اطلع عليها صبرى، والذى عقدت المفاجأة لسانه ثم بعد دقائق نظر إلى حسن التهامى وأشار إلى الحقيبة وقال متوقعا.. دى عشان محاولة انقلاب من إحدى الدول العربية!

وهنا ضحك التهامى ورد قائلا: اصبر.. لا حديث إلا بعد مقابلة الرئيس.

وفى تمام الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم كان الاثنان على صبرى والتهامى وبرفقتهما الحقيبة المجهولة حتى هذه اللحظة يدلفان إلى مكتب الرئيس
فى بداية اللقاء بادر الرئيس بعد الترحيب بحسن التهامى وفى حضور على صبرى بتوجيه استفسار إلى حسن التهامى: ماذا بداخل هذه الحقيبة يا حسن؟
واستطرد الرئيس: هل هى قنبلة لاغتيالى وضحك الجميع؟
ورد التهامى قائلا: إنها سيادة الرئيس مليون دولار أمريكى مرسلة من الحكومة الأمريكية لسيادتك شخصيا وقد تسلمتها من ضابط المخابرات الأمريكى مايلز كوبلن كبير ضباط المخابرات الأمريكية فى الشرق الأوسط وحسب ما علمت منه أنها هدية تقدمها الحكومة الأمريكية لسيادتك وتقدم مثلها كمساعدة شخصية لبعض رؤساء الدول الصديقة.

الرئيس عبدالناصر: هى ليست هدية يا حسن.. إنها قنبلة لاغتيال ذمتى المالية.. لاغتيالى معنويا ولا انتم شايفين إيه؟

حسن التهامى: هو كده يا فندم.. وأكد هذا المعنى على صبرى.. والذى استأذن بعد دقائق فى الانصراف وخرج من المكتب تاركا الرئيس عبدالناصر وحسن التهامى.

قبل إنتهاء لقاء حسن التهامى مع الرئيس عبدالناصر بشأن حقيبة العطية المالية الأمريكية سأل الرئيس: هل عددت يا حسن المبلغ الموجود بالحقيبة؟
حسن التهامى: سيادة الرئيس مايلز كوبلن قال لى إنها مليون دولار وقد قمت بعد المبلغ بنفسى فوجدته ناقصا 25 دولارا.

الرئيس: يا حسن اقفل الحقيبة، وخلى الفلوس دى عندك أو تحت سيطرتك لحين التفكير فى أسلوب الرد المناسب على وقاحة المخابرات الأمريكية، هذه الفلوس كما دخلت بيتى ومكتبى اليوم تخرج فورا وتحفظ عليها حتى نفكر فى أحسن اسلوب للرد.
حسن التهامى: حاضر يافندم.. سأتحفظ عليها بمعرفتى.

الرئيس: اقعد مع زكريا محيى الدين المشرف العام على المخابرات وابحثوا معا ماذا نفعل بهذه الفلوس وبحيث يكون الرد رسالة موجعة عبر السنين تعبر عن الخزى والعار للمخابرات الأمريكية وأكيد هى صاحبة الفكرة وورطت الحكومة الأمريكية فيها.

وأيضا أرى أن يكون الرد معبرا عن عزة الشعب المصرى وكرامته التى لا تشترى ولا تباع.
وأضاف الرئيس: عاوز رد فى ظرف أسبوعين من الآن ولا يعلن عن هذا الموضوع.

وتابع الرئيس عبدالناصر: وطبعا هم الأمريكان بيقدموا هذه العطية المالية كإغراء لنا لنوقف مساندتنا لثوار الجزائر وحركات التحرير الأفريقية.. وهم يقولون لنا بهذه الحقيبة.. انها مقدمة للمزيد.. ولكن هيهات لهم أن يبلغوا ما يتمنون. إنه عشم إبليس فى الجنة.
انصرف حسن التهامى من مكتب الرئيس وفى يده تلك الحقيبة، وقد انفرجت أساريره وانفك عنه التوتر وبدا مرتاحا نفسيا لموقف الرئيس وانه قد خرج من الأزمة دون أى لوم.

وأخذ يحدث نفسه خلال رجوعه إلى منزله: الآن يا حسن إلى المهمة الأصعب التى كلفنى بها الرئيس.. ولكن قبل ذلك لابد من إخفاء هذه الحقيبة لدى شخصية أمينة فأنا كثير الحركة والسفر إلى خارج البلاد وفى اليوم التالى هداه تفكيره إلى الاستعانة بيسرى الجزار ضابط المخابرات العامة الذى يعرفه جيدا ويثق فيه.

وبعد لقاء الرئيس رتب حسن التهامى لقاء مع زكريا محيى الدين المشرف العام على المخابرات العامة وأبلغه بأمر الحقيبة الصادر لهما من الرئيس جمال عبدالناصر بالبحث فى اختيار أنسب أسلوب للرد بما يحقق ما طلبه الرئيس وأن أمامهما مهلة أسبوعين لإبلاغ الرئيس بمقترحاتهما، وفى نهاية اللقاء أخطره أنه يفكر فى الاستعانة بضابط المخابرات المصرى يسرى الجزار فى إخفاء الحقيبة لحين طلبها مرة أخرى، ولم يمانع زكريا محيى الدين
وما إن وصل حسن التهامى إلى منزله بعد لقائه مع المشرف العام على المخابرات العامة هاتف يسرى الجزار وطلب منه المرور عليه فى المنزل، وفعلا حضر يسرى الجزار فى التوقيت المحدد وعلى الفور سلمه الحقيبة مغلقة وطلب منه الاحتفاظ بها فى منزله لحين طلبها منه مرة اخرى وعدم تسليمها لشخص غيره وامتثل يسرى الجزار لهذا الأمر وخرج حاملا الحقيبة المجهولة بالنسبة له فهو لا يدرى ماذا بداخلها ولم يقل له حسن التهامى شيئا إلا الاحتفاظ بها لحين طلبها مع المحافظة عليها.

ومرت الأيام وتوالت الأسابيع ولم يطلب حسن التهامى من يسرى الجزار إعادة الحقيبة، وبدأ الشك يساوره فى أمر هذه الحقيبة الغامضة وعما قد يكون بداخلها.

ترى هل بداخلها مواد مخدرة؟! هل أسلحة أو مواد متفجرة؟! وبعد أن تملك منه الشك والخوف من عواقب عدم معرفته بما هو داخل هذه الحقيبة استجمع قواه وعزم على فتح هذه الحقيبة ليعرف ما بداخلها ليطمئن قلبه.. وكانت المفاجأة التى عقدت لسانه أنها مليئة بأوراق بنكنوت خضراء دولارات أمريكية، وعلى الفور أغلق تلك الحقيبة وأعادها إلى حيث كان يخبئها داخل دولابه الخاص بحجرة نومه. ونهض فورا إلى التليفون وفى ثوان معدودة كان يخاطب حسن التهامى.

يسرى الجزار: إيه يافندم المصيبة اللى أنت مدهالى أخبيها عندى فى بيتى.. إيه يافندم الحكاية بالضبط!
التهامى، قابل هذا التساؤل بضحك متوال وأضاف: (معلش يا يسرى فى ظرف يوم أو اثنين على الأكثر هقولك إيه الحكاية بالضبط).

ومضى يومان كان يسرى الجزار فيهما فى أسوأ حالاته النفسية فهو يحتفظ بحقيبة مليئة بالدولارات لا يعرف عن مصدرها شيئا إلا أنه تسلمها من حسن التهامى وطلب منه التحفظ عليها، وقفز إلى ذهنه أن هذا المبلغ ربما كان بهدف إحداث انقلاب عسكرى، ولم يقطع هذه الحيرة إلا اتصال تليفونى جاءه من التهامى يدعوه إلى لقاء عاجل بدون الحقيبة فى مقر مبنى المخابرات العامة فى الملحق الخلفى لمبنى مجلس الوزراء بشارع مجلس الأمة.

فى التوقيت المحدد كان زكريا محيى الدين المشرف العام على المخابرات العامة وقتها وحسن التهامى ويسرى الجزار قد بدأ بينهم اجتماع مغلق علم خلاله يسرى الجزار بقصة الحقيبة الغامضة منذ البداية فهدأت نفسه وهدأت أعصابه وأبدى تحمسا بالغا فى تنفيذ تكليف الرئيس جمال عبدالناصر، وخلال هذا الاجتماع طرحت عدة اقتراحات كانت كلها تدور حول إمكانية استخدام هذا المبلغ فى تشييد مبنى يظل شاهدا عبر السنين على واقعة العطية المالية التاريخية التى كانت المخابرات الأمريكية تستهدف من ورائها أن تجنى إحدى ثمرتين؛ إما امتثال جمال عبدالناصر لما تمليه عليه السياسة الأمريكية نتيجة إغرائه بالمال ومن ثم إيقاف مساندته لثوار الجزائر والحركات التحررية الأخرى فى أفريقيا، وإما كسر قامة زعامته واغتياله معنوياته باختراق ذمته المالية بقبوله هذا المال لشخصه.

كما نوقشت عدة اقتراحات من بينها أنه يمكن استثمار هذا المبلغ فى بناء عمارة شاهقة تكون ملكا للدولة أو بناء عدة مدارس أو تجديد عدد من الكبارى الواقعة على ضفاف النيل أو استخدامه فى توسيع الطريق الصحراوى بين القاهرة والاسكندرية وفى نهاية المطاف استقر الرأى على بناء معلم سياحى يكون شاهدا ومعبرا عن اعتزاز المصريين بكرامتهم وبأن عزة مصر وكرامتها تعلو وتسمو على أى مصالح شخصية مهما كان حجمها وخصوصا أنه يمكن الاستفادة بهذا المعلم السياحى فى تركيب معدات لمحطة إرسال إذاعى سرية.

وهنا ثار النقاش بين المجتمعين: هل يكون البناء فندقا أو يكون على شكل مركز سياحى متعدد الخدمات، وبعد مناقشة مستفيضة استقر الرأى على أن يكون المبنى المقترح على شكل برج سياحى يطلق عليه (برج القاهرة).

وانتهى الاجتماع مع استقرار الرأى على قيام حسن التهامى بإبلاغ الرئيس جمال عبدالناصر بما استقروا عليه من اقتراح بناء برج سياحى فى القاهرة، وهذا ما تم بالفعل وقد استحسن الرئيس هذا الاقتراح وأمر الرئيس بالبدء فورا فى دراسة المشروع واختيار المكان المناسب له.

لم يمض وقت طويل بعد موافقة الرئيس جمال عبدالناصر على بناء برج سياحى فى القاهرة حتى كلف حسن التهامى، ويسرى الجزار بالبدء فورا فى حصر عدد من الأماكن التى تصلح لإقامة هذا البرج داخل القاهرة وبحيث يكون مَعْلمًا سياحيا يضاف إلى المعالم السياحة الأخرى فى العاصمة.
دكتور عبدالفتاح عبد الباقى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock